وقع بداخلي نوع من الاستفزاز الإيجابي، وأنا أقرأ مقالاً للزميل رشيد بوعتا المنشور على صفحة جريدة “كابريس” بالفايسبوك تعليقاً على صور لاعبينا بالمنتخب في المونديال، والذي يحمل عنواناً يضرب في عمق واقعنا المرير: “متى سنرى مدبري الشأن العام يدافعون عن مصالح المواطنين بقتالية؟“. هذا الربط الذكي حرك فيّ الرغبة بنبش هذا الملف، ومحاولة الإجابة عن هذا اللغز الأزلي بأسلوب لا يخلو من مرارة السخرية.
ففي الوقت الذي نتابع فيه جميعاً مباريات كرة القدم، ونرى كيف يقاتل اللاعبون في الملعب حتى الرمق الأخير لحصد النقاط وإسعاد الجماهير، نجد أن مدبري شؤوننا في “ملعب” الشأن العام يمارسون رياضة أخرى تماماً؛ رياضة “اليوجا الصامتة” والهروب بذكاء من كرات المسؤولية الحارقة، تاركين المواطن البسيط مكتوياً بنيران الأسعار وطوابير الخدمات.
متى تظهر “القتالية” الحقيقية لدى المسؤول؟
إن الوداعة السياسية للمسؤول تتحول فوراً إلى قتالية خارقة في مواقف محددة لا علاقة لها بالمواطن؛ حيث نراه يتحول في مرحلة الحملات الانتخابية إلى ملاكم شرس يتسلق الجبال ويزور الأزقة الضيقة لجمع الأصوات، وتظهر لديه قتالية لا مثيل لها إذا اقترب أحد من امتيازاته الشخصية كسيارات الخدمة الفارهة والتعويضات وميزانيات السفريات، كما يقاتل باستماتة في حلبة تبادل التهم لإثبات أن “المجلس السابق” هو سبب الكارثة، أو أن المطر هو المسؤول الوحيد عن غرق البنية التحتية.
كيف يدافع المسؤول عن المواطن حالياً؟
أما عن الطريقة التي يدافع بها المسؤول عن المواطن حالياً، فهي تتم عبر تكتيكات “باردة” تضمن عدم بذل أي مجهود عضلي أو فكري؛ إذ يكتفي في البداية بإصدار بيان يعرب فيه عن “أسفه العميق” لغلاء الأسعار وكأنها ترتفع بفعل قوى خارقة للطبيعة، ثم يلجأ للحل السحري لقتل أي قضية مستعجلة عبر إحالتها إلى لجنة ستقوم بدراسة الوضع حتى ينسى الجميع المشكلة الأصلية، ليختم دفاعه بوعود المستقبل المشرق مطالباً المواطن بالصبر لأن الخير قادم، مع نسيان تحديد سنة أو قرن وصول هذا الخير.
الشروط التعجيزية لرؤية “قتالية” حقيقية
بناءً على هذا الواقع، لن يقاتل مدبر الشأن العام من أجل المواطن إلا إذا توفرت شروط شبه تعجيزية تغير قواعد اللعبة بشكل راديكالي؛ أولها ربط الأجر بالإنتاجية بحيث يصبح راتب المسؤول مرتبطاً بنسبة رضا سكان الحي أو المدينة عن الخدمات، وثانيها إلغاء “الحصانة النفسية” عبر إجبار المسؤول على استخدام النقل العمومي والعلاج في المستشفى الحكومي الذي يشرف عليه، وأخيراً زرع الخوف الحقيقي من العقاب السياسي، فعندما يعلم المسؤول أن صندوق الاقتراع سيعاقبه حتماً، سيتحول فوراً إلى “محارب” في خدمة الشعب.
المواطن لا يريد من المسؤول أن يموت في سبيل الوطن، بل فقط أن يظهر ربع الحماس والقتالية التي يظهرها أسود الأطلس في المونديال، وترجمة تلك الروح إلى قرارات تحمي جيب المواطن وكرامته. وحتى ذلك الحين، ستبقى قتالية المسؤولين مجرد “إشاعة” نسمع عنها في المواسم الانتخابية، ويبقى سؤال الزميل بوعتا معلقاً في فضاء الفيسبوك إلى إشعار آخر.
أبداً.. إلا إذا تداخلت مصالح المواطنين بالخطأ مع مصالحهم الشخصية!























