محمد مفتاح
يشكل دخول القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة حيز التنفيذ حدثاً تشريعياً بارزاً ومنعطفاً هيكلياً في مسار المشهد الإعلامي المغربي الحديث. وتأتي هذه الوثيقة القانونية بعد مخاض مؤسساتي ودستوري معقد وضعت فيه الهيئات القضائية الدستورية معالم واضحة لملائمة مقتضيات القوانين المنظمة لقطاع الصحافة والنشر مع روح الوثيقة الدستورية، واضعةً بذلك حداً لمرحلة مؤقتة من التدبير الاستثنائي للقطاع واللجان الانتقالية.
إن هذا الانتقال من التدبير المؤقت إلى الهيكلة القانونية الدائمة يطرح إشكاليات عميقة تتعلق بحدود التماس بين هاجس “الضبط الإداري” وطموح “التنظيم الذاتي” المستقل، وهو ما يفرض التساؤل: ما هي طبيعة التحولات البنيوية والآليات التشريعية المستحدثة التي جاء بها هذا القانون؟ وإلى أي حد يمكن لهذه الهندسة الجديدة أن توفق بين ضرورة تحصين المهنة وضمان عقلنتها، وبين التزام صون استقلالية الجسم الصحفي وتوسيع هوامش الحرية المهنية؟
المطرقة والسندان: جدلية الضبط الإداري القسري وتحديات المشروعية السوسيولوجية
يُشكل القانون الجديد وحدة عضوية متكاملة تتداخل فيها الهندسة التنظيمية مع آليات الرقابة ومستويات القبول المهني. ومن منظور الفقه الأكاديمي، يمكن تفكيك هذا الترابط البنيوي عبر ثلاثة أبعاد متكاملة:
يتمثل البعد الأول في إعادة صياغة الهندسة التنظيمية لآلية “التنظيم الذاتي”، حيث سعى المشرع إلى تجاوز حالة المؤقت وعقلنة الولوج للمهنة عبر إرساء مقتضيات استجابت جزئياً لقرارات القضاء الدستوري، لا سيما من خلال إحداث لجنة مستقلة للإشراف على الانتخابات والانتدابات بهدف تحصين الشرعية الإجرائية للمجلس.
غير أن هذا التنظيم الذاتي لم يتبنَّ المفهوم اللبرالي المرن، بل تماهى مع البعد الثاني المتعلق بـ توسيع سلطة الضبط الإداري وتدبير البطاقة المهنية؛ إذ نقل القانون صلاحية منح وسحب البطاقة ومسك السجلات الرسمية إلى يد المجلس كاختصاص حصري ومطلق. وتحولت البطاقة بموجب هذا المقتضى من مجرد وثيقة إثبات هوية إلى أداة رقابية قبلية وبعدية لضبط الانفلات الإعلامي ومحاربة الدخلاء، وهو ما يثير تخوفات حقوقية وفقهية من تزايد “الرقابة الذاتية” لدى الصحفيين في حال غياب التناسب الدقيق بين المخالفة المهنية والعقوبة التأديبية.
هذا التوجه نحو “الضبط الصلب” يضعنا مباشرة أمام البعد الثالث، وهو غياب المقاربة التشاركية ورهان “المشروعية السوسيولوجية”؛ فالنص تم إقراره في بيئة تشريعية شهدت تحفظات من الهيئات النقابية والمدنية الممثلة للقطاع بسبب ضعف التشاور الموسع. ومن المنظور السوسيولوجي للقانون، فإن هذا التباين يخلق فجوة واضحة بين “المشروعية القانونية” الصادرة عن البرلمان و”المقبولية المهنية” لدى القواعد الصحفية، مما يهدد مناخ الثقة ويجعل جزءاً من الجسم الصحفي ينظر إلى الهيكلة الجديدة كأداة للوصاية والضبط الفوقي بدلاً من كونها بيتاً مهنياً حامياً للتعددية والحرية.
في ميزان القانون المقارن: بين “الضبط المؤسساتي الصارم” و”التنظيم المرن”
تكتسي القراءة التفكيكية للقانون رقم 09.26 أبعاداً أكثر عمقاً عند وضع هندسته التشريعية في ميزان الأنظمة القانونية المقارنة، وتحديداً عند مقارنته بالنموذج الفرنسي القائم على الطوعية والنموذج التونسي المرتكز على المأسسة الدستورية؛ حيث تظهر هذه المقارنة تموقع المشرع المغربي ضمن توجه يمنح الأولوية لـ “الضبط الصلب” على حساب مرونة التنظيم الذاتي التقليدي.
فمن حيث الطبيعة القانونية والالتزام، يفترق النموذج المغربي المستحدث بشكل جذري عن تجربة مجلس أخلاقيات الصحافة والوساطة الفرنسي (CDJM)؛ فبينما صاغ المشرع المغربي مجلساً بقوة القانون يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي وتعتبر العضوية فيه والامتثال لقراراته إلزامية قسرية لجميع المهنيين، يرتكز النموذج الفرنسي على فلسفة القانون الخاص والعمل الجمعوي التطوعي، حيث يظل الالتزام بقراراته أدبياً وأخلاقياً محضاً ينبع من الإرادة الحرة للموقعين عليه، دون وجود أي سلطة زجرية لإجبار الصحفيين.
أما من زاوية تدبير الهوية المهنية وسلطة العقاب، وهي الزاوية القانونية الأكثر حساسية، فإن القانون المغربي الجديد منح المجلس سلطة حصرية ومطلقة في منح وسحب بطاقة الصحافة المهنية ومسك السجلات، مما يجعلها أداة ضبط إداري ذات أثر قانوني مباشر على ممارسة المهنة، وهو مقتضى يبتعد كثيراً عن المعايير الفرنسية التي تفصل بشكل صارم بين سلطة البت في الأخلاقيات وبين سلطة منح البطاقة المهنية التي تتولاها لجنة مستقلة ومشرّك (CCIJP). وفي المقابل، يقترب النموذج المغربي جزئياً من تجربة الهيئات التعديلية التونسية من حيث امتلاك سلطات زجرية واسعة، وإن كانت التجربة التونسية قد ركزت بشكل أكبر على ضبط القطاع السمعي البصري والمؤسسات عبر العقوبات المالية وإيقاف البث، مع الدخول في صدامات مستمرة مع النقابات حول تخوم حرية التعبير.
تكشف هذه المقارنة أن المغرب اختار عبر القانون رقم 09.26 نموذج “الضبط المؤسساتي القسري”، وهو خيار يهدف قانونياً إلى تحصين البيت الداخلي للمهنة ومكافحة الأخبار الزائفة والدخلاء عبر قنوات مؤسساتية رسمية، وهذا أمر مطلوب ومحمود. غير أن التحدي الذي يواجه هذا الاختيار، مقارنة بالأنظمة اللبرالية المرنة، هو ضمان ألا تتحول سلطة الضبط الزجري وحصرية تدبير البطاقة المهنية إلى آلية لتقييد التعددية، ما يفرض إحاطة كل القرارات التأديبية بضمانات قضائية استعجالية ومستقلة تضمن بقاء المجلس سلطة حامية للحريات لا أداة للرقابة البعدية.
ديمقراطية التنزيل: رهان القطيعة مع اختلالات الماضي وتأمين المستقبل
تأسيساً على ما سبق، لا يمكن قراءة القانون رقم 09.26 كجرد نصوص تشريعية جامدة، بل كوثيقة سيادية وهندسة جديدة ترسم معالم مستقبل الصحافة في المغرب. إن الانتقال من نمط التدبير المؤقت إلى الهيكلة الدائمة يضع الحقل الإعلامي أمام محك حقيقي؛ فالقانون في حد ذاته، ورغم طابعه الضبطي الصارم، يظل مجرد إطار نظري، بينما تظل العبرة والرهان التاريخي معلقين على “ديمقراطية التنزيل الميداني” ومدى الالتزام بروح المقتضيات الدستورية.
إن هذا الاستشراف يستوجب بالضرورة قطعاً راديكالياً ومسؤولاً مع التجاوزات والاختلالات الهيكلية التي طبعت مسار الهيئات السابقة واللجان المؤقتة؛ حيث شهدت المرحلة الماضية حالة من الاستفراد بالقرار، وشبهات التضييق في منح وسحب البطاقة المهنية بناءً على اعتبارات انتقائية، فضلاً عن غياب الشرعية الدستورية والانتخابية التي أدخلت الجسم الصحفي في نفق الفراغ المؤسساتي لشهور طويلة. وتكرار هذه الهنات تحت غطاء القانون الجديد لن يعني فقط إفراغ مفهوم “التنظيم الذاتي” من محتواه الديمقراطي، بل سيؤدي إلى تعميق أزمة الثقة وتكريس النفور السوسيولوجي والمهني من هذه المؤسسة.
لذلك، فإن الضمانة الحقيقية لنجاح هذا الورش التشريعي تكمن في تحويل المجلس الوطني للصحافة إلى حصن منيع للدفاع عن استقلالية الصحفيين وتعددية الأقلام، وليس منصة إدارية لإنتاج الرقابة الذاتية وتصفية الحسابات المهنية. ويتطلب ذلك إحاطة المقاربة التأديبية وضوابط منح الهوية المهنية بضمانات حقوقية وقضائية صارمة ومعجلة، تجعل من القضاء الإداري المستقل حكماً فيصلاً يمنع أي شطط في استعمال السلطة. إن مستقبل حرية التعبير بالمغرب رهين بالقدرة على إحداث هذا التوازن الدقيق: عقلنة وتنظيم البيت الداخلي للمهنة، دون التضحية بجوهر الصحافة ومقومات حريتها.























