محمد مفتاح
في المسافة الفاصلة بين جبهتي “المقاطعين” و”المعارضين”، تتشكل مساحة رمادية من تيه وضياع البوصلة، حيث يقف المواطن المغربي وحيداً في مواجهة عبث الأسعار المستشري. هذا العبث لم يعد مقتصراً على قطاع الحليب ومشتقاته، بل تحول إلى جائحة تلتهم كل المواد الغذائية الأساسية في المغرب. وهنا يبرز دور الدولة الذي غاب أو غُيّب؛ إذ بات من الضروري والملح أن تتدخل الحكومة بمسؤوليتها وحزمها لضبط سلاسل إمداد تعاني من فوضى تعدد “الوسطاء”، حيث يصر كل طرف في هذه السلسلة على اقتطاع هامش ربح أناني، يثقل كاهل القدرة الشرائية للمواطن ويحول قفته اليومية إلى جحيم.
مغالطة “الأسواق الممتلئة”: اختزلوا الحياة الكريمة في بطن المستهلك
لقد تحولت القدرة الشرائية للمواطن المغربي إلى “الحائط القصير” الذي تستسهل الشركات والسياسات القفز فوقه لتبرير الأزمات. وفي مقابل صرخات العوز، تخرج علينا أصوات واهمة – تفتقد للحس السليم – لتزعم أن “القدرة الشرائية للمغاربة بخير”، مستدلةً في ذلك بصور اكتظاظ الأسواق والتبضع كدليل على الرخاء. وكأن هؤلاء لا يعلمون، أو يتعامون عن حقيقة أن الحياة الكريمة في القرن الواحد والعشرين لا تلخصها قفة خضار أو علبة يوغورت.
إن المقاربة السطحية التي تختزل معيشة المواطن في سلع الأسواق تسقط عمداً من حساباتها سلة التزامات كبرى تطوق عنق الأسر المغربية. فالدخل المحدود للمواطن يجب أن يتناسب بشكل عادل مع منظومة حياة متكاملة تشمل السكن اللائق، التعليم الجيد للأبناء، التغطية الصحية، وتكاليف النقل والمحروقات. عندما تلتهم فاتورة الماء والكهرباء وقسط الكراء الشق الأكبر من الأجور الجامدة التي تجر خطى السلحفاة، يصبح أي ارتفاع في أسعار المواد الغذائية، ولو ببضع سنتيمات، بمثابة رصاصة رحمة تطلق على ميزانية العائلات. إن امتلاء الأسواق ليس دليلاً على الوفرة المالية، بل هو في الغالب انعكاس لغريزة البقاء واستهلاك مدفوع بـ “دين القروض” والتدبير الانتحاري لليومي، بينما تنهار في العمق الحواجز الأخيرة للطبقة الوسطى والفقيرة نحو قاع الحاجة.
معضلة المقاطعة: “الدرع البشري” وتوحش البدائل
أمام سلاح “الامتناع عن الشراء” الذي يشهره المواطن كخيار سلمي أخير، تلجأ الشركات الكبرى إلى مناورة مكشوفة؛ إذ تحول “الفلاح الصغير” ومربي الماشية البسيط إلى درع بشري، وتستخدم لقمة عيشهم كفزاعة لابتزاز عواطف المغاربة وتبرير جشعها الاستثماري. إنها تراجيديا مصطنعة تحاول إيهامنا بأن ضرب مصالح الحيتان الكبرى هو ضرب لقوت الشغيلة والمستضعفين في السلسلة الإنتاجية.
لكن الصدمة الحقيقية تكمن في الجانب الآخر من المشهد؛ ففي الوقت الذي كان يُنظر فيه إلى “التعاونيات الفلاحية والمقاولات المحلية” كطوق نجاة يمكنه احتضان هذا الفلاح الصغير خارج المنظومة الاحتكارية، تكسرت الأوهام على صخرة الواقع. لقد “شربت” هذه التعاونيات من نفس ضرع الشركات الكبرى، وتخلت عن دورها التضامني الأصيل لتتحول بدورها إلى حيتان صغيرة تسبح في مستنقع الجشع، محاوِلةً تقليد القروش الكبيرة في رفع الأسعار وافتراس جيب المستهلك. وبدلاً من أن تكون ملاذاً آمناً يحمي الفلاح ويضمن سعراً عادلاً للمواطن، اختارت هذه الكيانات الصغيرة الاستقواء على القدرة الشرائية، لتثبت أن وباء “الربح السريع” قد تغلغل في بنية الاقتصاد التضامني أيضاً، تاركاً الفلاح والمستهلك معاً بين فكي كماشة لا ترحم.
التواطؤ الصامت: أين الدولة ومجلس المنافسة من هذا العبث؟
أمام هذا الاستقطاب الحاد وهذا التوحش المحموم من القروش الكبيرة والحيتان الصغيرة على حد سواء، يبرز السؤال الحارق والمشروع الذي يتردد في كل بيت مغربي: أين هي الدولة؟ وأين هي مؤسسات الحكامة والرقابة؟ إن الاحتماء خلف أسطوانة “تقلبات الأسواق العالمية” أو “توالي سنوات الجفاف” لم يعد ينطلي على أحد، بل أصبحت هذه المبررات بمثابة غطاء سياسي لتزكية الجشع. لا يمكن للحكومة أن تستمر في لعب دور “المتفرج المحايد” تحت ذريعة قانون حرية الأسعار والمنافسة؛ فالتحرير الاقتصادي لا يعني الفوضى المطلقة، ولا يعني ترك جيب المواطن مستباحاً وشاشات المراقبة مطفأة.
إن ما يحدث اليوم هو نتاج مباشر لـ “التراخي الرقابي”، بل والأدهى من ذلك، هو المفارقة الصارخة في منظومة الدعم العمومي؛ فالدعم المالي الموجه للفلاح والكساب، وبدلاً من أن يكون طوق نجاة يخفف عبء تكاليف الإنتاج وينعكس إيجاباً على سعر القفة، تحول إلى أداة تزيد الطين بلة. لقد انحرف هذا الدعم عن مساره الاجتماعي ليصب في قنوات ريعية يستفيد منها كبار المضاربين والشركات الاحتكارية، في الوقت الذي يُترك فيه الفلاح الصغير الحقيقي يصارع الفتات.
وهنا تقع المسؤولية المباشرة على عاتق مجلس المنافسة، الذي يجب أن يخرج من قوقعة التقارير الباردة، ليمارس صلاحياته الدستورية الزجرية في التحقيق بشبهات “التواطؤ الإرادي” لتثبيت الأسعار. إن الدولة مطالبة اليوم بتطهير سلاسل التوزيع من جيوش الوسطاء والشناقة، وعقلنة الدعم العمومي ليوجه مباشرة وبشكل صارم لمن يستحقه، عوض ترك الشركات تبتز الدولة والمواطن معاً.
قفة المواطن هي صمام الأمان
إن حملة المقاطعة الأخيرة، بجدلها وصخبها، ليست مجرد احتجاج عابر على علبة يوغورت أو لتر حليب، بل هي استفتاء شعبى عفوي يعكس عمق الشرخ بين السياسات الاقتصادية والواقع المعيشي للمغاربة. لقد أثبتت قوة “الجدران الافتراضية” أنها قادرة على زعزعة المنظومات الاحتكارية الكبرى، وكسر غرور الحيتان التي اعتقدت أن جيب المواطن بئر لا تنضب، في وقت تكتفي فيه جمعيات حماية المستهلك بأدوار خجولة، باهتة، ولا تتعدى بلاغات التنديد المحتشمة، عاجزة عن تشكيل جبهة مدنية حقيقية تدافع عن المستهلك المتروك وحيداً في ساحة المعركة.
على صناع القرار، ومعهم كل الفاعلين المدنيين، أن يستوعبوا الدرس جيداً؛ فالاستقرار الاجتماعي للمملكة ليس مجرد شعارات تُرفع، بل هو كل لا يتجزأ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة المواطن البسيط على تأمين قفته اليومية بكرامة. إن التدخل العاجل لمراقبة الأسعار، وتطهير سلاسل الإمداد من جشع الوسطاء، وإعادة توجيه الدعم العمومي ليكون حماية حقيقية للفلاح الصغير والمستهلك عوض أن يكون ريعاً للمضاربين، لم يعد مجرد خيار اقتصادي أو ترف سياسي؛ بل هو صمام الأمان الحقيقي لتماسك المجتمع وجدار الصد الأول لحماية السلم الاجتماعي من عواصف الغلاء.
بين “خليها تريب” ونار الأسعار: المقاطعة كصرخة ألم ضد ريع الدعم وخذلان الرقابة























