متابعة/منير نافيع العيون
تكشف المعطيات المرتبطة بتعبئة العقار العمومي للاستثمار عن تحول متزايد في وظيفة الأرض داخل السياسات العمومية، فلم يعد العقار مجرد رصيد مادي يخصص لاحتضان المشاريع، بل أصبح عنصرا مركزيا في توجيه الاستثمار وإعادة تشكيل الوظائف الاقتصادية للمجالات الترابية. وتبرز جهة العيون – الساقية الحمراء بشكل واضح ضمن هذا التحول، بعدما استحوذت على أكثر من 79 في المائة من العقار العمومي المعبأ للاستثمار خلال ستة أشهر، في وقت لا يتجاوز فيه وزنها الديموغرافي 1.1 في المائة من سكان المملكة.
ويرى إبراهيم بلالي السويح، الخبير والاستشاري في التنمية الترابية المندمجة، أن التعامل مع هذه الأرقام من زاوية التوزيع المجالي وحدها لا يعكس حقيقة التحولات الجارية. فالفارق بين الوزن الديموغرافي للجهة وحجم العقار العمومي المعبأ للاستثمار يطرح، في تقديره، سؤالا أكبر يتعلق بالوظيفة الاقتصادية والترابية التي يراد لهذا العقار أن يؤديها، وبمدى قدرة الاستثمارات المرتبطة به على إنتاج قيمة مضافة حقيقية داخل المجال.
وبحسب بلالي السويح، فإن العقار العمومي دخل مرحلة جديدة لم يعد فيها مجرد وعاء لاستقبال المشاريع، بل أصبح وسيلة للتدخل في بنية الاقتصاد المحلي والجهوي. فاختيار موقع المشروع وتخصيص الأرض له يساهمان في تحديد طبيعة الأنشطة التي ستتطور حوله، وفي توجيه البنية التحتية والخدمات وشبكات النقل، كما يؤثران في توزيع الاستثمارات والموارد وفرص الشغل على المدى المتوسط والبعيد.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن اختزال مسألة تعبئة العقار في عدد الهكتارات أو المساحات التي تم تخصيصها، لأن المساحة في حد ذاتها لا تنتج التنمية. فالقيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الأرض إلى مشاريع منتجة، وعندما تصبح هذه المشاريع قادرة على خلق وظائف اقتصادية مترابطة، واستقطاب الاستثمارات، وتطوير المقاولات المحلية، ورفع حجم القيمة المضافة التي يحتفظ بها المجال.
ويؤكد بلالي السويح أن السؤال الأساسي الذي ينبغي أن يرافق كل عملية تعبئة للعقار العمومي لا يرتبط فقط بحجم الأرض التي تم تخصيصها، وإنما بالنتائج التي ينتظر أن تنتج عنها. فما طبيعة الاستثمارات المستهدفة؟ وما حجم القيمة التي يمكن أن تخلقها؟ وما عدد فرص الشغل التي يمكن أن توفرها؟ وكيف ستندمج هذه المشاريع في النسيج الاقتصادي المحلي؟ ثم ما الذي ستضيفه إلى تنافسية الجهة وقدرتها على جذب استثمارات جديدة؟
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في حالة جهة العيون – الساقية الحمراء، حيث لا يكفي النظر إلى حجم العقار المعبأ باعتباره مؤشرا على مستوى الاستثمار أو التنمية. فالرهان الحقيقي يكمن في قدرة الجهة على تحويل مواردها العقارية إلى قاعدة اقتصادية منتجة، وربط المشاريع الكبرى بالاقتصاد المحلي، بما يسمح بخلق سلاسل قيمة تستفيد منها المقاولات والخدمات والموارد البشرية داخل المجال.
وفي هذا السياق، يرى الخبير والاستشاري في التنمية الترابية المندمجة أن العدالة المجالية لا ينبغي أن تقاس فقط بمنطق التوزيع الحسابي للموارد بين الجهات. فقد تحصل جهة ما على حصة أكبر من العقار بسبب طبيعة وظائفها الاقتصادية والاستراتيجية، لكن ذلك لا يصبح مكسبا تنمويا حقيقيا إلا إذا انعكس على الاقتصاد المحلي وعلى مستوى الاندماج الاجتماعي والمجالي.
وتبقى المسألة الأساسية، وفق هذا التصور، مرتبطة بكفاءة تحويل الموارد إلى نتائج. فالعقار العمومي يمكن أن يكون موردا استراتيجيا قادرا على تغيير ملامح المجال، لكنه قد يتحول أيضا إلى مجرد احتياطي عقاري غير منتج إذا لم تتم مواكبته بسياسات استثمارية واضحة، وبنية تحتية مناسبة، وموارد بشرية مؤهلة، ومنظومة خدمات قادرة على دعم المشاريع.
لهذا السبب، يدعو بلالي السويح إلى الانتقال من منطق تدبير العقار إلى منطق تدبير أثر العقار. والمقصود بذلك ألا تنتهي عملية التخصيص بمجرد وضع الأرض رهن إشارة المستثمر، بل ينبغي أن تكون جزءا من منظومة للتتبع والتقييم تقيس ما تحقق فعليا من قيمة مضافة وفرص شغل واستثمارات مرافقة وأنشطة اقتصادية جديدة.
كما أن هذا المنظور يفرض، حسب بلالي السويح، مزيدا من التنسيق بين السياسة العقارية وسياسات الاستثمار والتخطيط الترابي والتنمية الاقتصادية. فقرار تخصيص العقار ليس قرارا إداريا معزولا، بل قرار له امتدادات اقتصادية ومجالية طويلة المدى، ويمكن أن يحدد بشكل مباشر أو غير مباشر طبيعة النشاط الاقتصادي الذي ستتبناه منطقة معينة خلال السنوات المقبلة.
وتبرز هنا أهمية النظر إلى العقار العمومي باعتباره جزءا من الرأسمال الترابي. فالأرض لا تصبح رأسمالا منتجا بمجرد امتلاكها أو تخصيصها، وإنما عندما يتم دمجها ضمن منظومة متكاملة تجمع بين الاستثمار والبنية التحتية واللوجستيك والموارد البشرية والابتكار والخدمات والقدرة على خلق القيمة.
ومن هذا المنطلق، فإن ارتفاع حصة جهة العيون – الساقية الحمراء من العقار العمومي المعبأ للاستثمار ينبغي أن يفتح نقاشا حول نوعية النموذج الاقتصادي الذي يمكن أن تنتجه هذه الدينامية العقارية. فالمؤشر الحقيقي ليس فقط حجم العقار الذي تم تعبئته، بل طبيعة التحولات التي ستحدثها المشاريع فوق هذا العقار، ومدى قدرتها على خلق اقتصاد جهوي أكثر تنوعا واندماجا واستدامة.
ويخلص بلالي السويح إلى أن الرهان الأساسي لا يكمن في تعبئة الأرض في حد ذاتها، وإنما في تحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ومجالية. فكل قطعة من العقار العمومي يتم تخصيصها اليوم تساهم في رسم جزء من صورة المجال غدا، وتحدد بشكل أو بآخر طبيعة الأنشطة الاقتصادية التي ستستقر فيه، وفرص الشغل التي ستنشأ، وشبكات الاستثمار التي ستتطور حولها.
وبذلك ينتقل النقاش من سؤال: كم من العقار تم تخصيصه؟ إلى سؤال أكثر عمقا: ماذا سينتج هذا العقار؟ فإذا تمكنت المشاريع من خلق قيمة مضافة وربط الاستثمار بالاقتصاد المحلي وتطوير سلاسل إنتاج وخدمات مستدامة، فإن العقار يصبح فعلا رافعة للتنمية. أما إذا ظل مجرد مساحة مخصصة دون أثر اقتصادي ملموس، فإن حجم التعبئة لن يكون كافيا وحده لإثبات نجاح السياسة العقارية.
يرى إبراهيم بلالي السويح أن التحول الحقيقي يتمثل في الانتقال من النظر إلى العقار باعتباره وعاء للاستثمار إلى اعتباره أداة لإنتاج المجال وتوجيه الاقتصاد.























