بقلم : محمد مفتاح
مع كل محطة انتخابية، تحشد الأحزاب السياسية المغربية ترسانتها الخطابية والبرمجية، وتتحول منصات الحملات إلى واحات تزهر بالحلول الجاهزة لكل الأزمات التي تؤرق يوميات المواطن؛ من معضلة البطالة وغلاء المعيشة، إلى اختلالات التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية. يتابع المغربي هذا العرض الباذخ من الوعود والالتزامات المرقمة بكثير من الأمل، وقليل من التشكيك، متسائلاً بمرارة عن السر الكامن وراء هذه “العصا السحرية” التي تمتلكها الأحزاب وهي في دكة المعارضة أو مرحلة الاستقطاب. لكن، وبمجرد أن تضع الحرب الانتخابية أوزارها، ويجلس قادة هذه الهيئات على كراسي المسؤولية أو يتولون قيادة الحكومة، يتغير الخطاب وتتوارى تلك الحلول خلف جدار سميك من مبررات “الإكراهات الموازناتية”، و”تراكمات الماضي”، وتقلبات السياق الدولي. فكيف تتبخر هذه الوصفات الحزبية الشافية عند عتبة التدبير الحكومي؟ وهل تعكس البرامج الانتخابية رؤى حقيقية قابلة للتطبيق، أم أنها مجرد صكوك سياسية برسم البيع تنتهى تاريخ صلاحيتها بمجرد الوصول إلى السلطة؟
منصات الدعاية وأوهام البرامج: عندما تتحول السياسة إلى مادة إشهارية
إن تفكيك الخلفيات الكامنة وراء هذه الفجوة الصادمة بين “الوعود الفضفاضة” و”الواقع الحكومي المرير”، يضعنا مباشرة أمام حقيقة بنيوية لطالما طبعت المشهد الحسي للممارسة الحزبية في المغرب؛ وهي أن البرامج الانتخابية المصاغة على عجل لا تعدو أن تكون مجرد إعلانات إشهارية وصكوك تسويقية، أُعدت في مكاتب مغلقة لغرض وحيد: دغدغة عواطف الناخبين واستمالة الأصوات، دون أي استناد إلى دراسات علمية حقيقية أو مسوحات ميدانية دقيقة تقيس مدى قابلية تلك الوعود للتطبيق على أرض الواقع موازناتياً وهيكلياً.
تتولد هذه الهشاشة البرامجية بالأساس من قطيعة شبه تامة بين النخب الحزبية والقاعدة الشعبية. فالأحزاب المغربية، في مجملها، كرّست في الوجدان الجمعي صورة “الدكاكين الموسمية” التي لا تفتح أبوابها ولا تنفض الغبار عن مقراتها إلا مع هبوب رياح الحملات الانتخابية؛ حيث تختزل وظفتها التأطيرية والدستورية في موسم تواصل عابر مدته اثنا عشر يوماً. هذا الغياب المزمن للعمل القاعدي المستدام، والافتقار للاحتكاك الحقيقي بنبض الشارع وآلامه طيلة السنوات الخمس التي تفصل بين الولايتين، جعل البرامج الانتخابية تنفصل عن الواقع؛ فجاءت عبارة عن تجميع لـ”أمنيات معلبة” تفتقر للحس الواقعي. وعندما يجد الحزب نفسه فجأة في مواجهة عارية مع ثقل التدبير الحكومي وإكراهات الدولة، يكتشف – قبل غيره – أن شعاراته الإشهارية البراقة لا تصمد أمام الأرقام الصارمة وموازنات القطاعات، لتبدأ رحلة التراجع والبحث عن مشاجب يعلق عليها العجز عن الوفاء بالعهود.
من السذاجة إلى المناعة: سقوط الأقنعة ووعي المواطن الرافض للمكياج السياسي
لم يعد المشهد مجرد فجوة تدبيرية بين برنامج حزبي وواقع حكومي، بل تحول إلى أزمة تفحم بنيوية في جدار الثقة التي تربط المواطن بالعملية السياسية برمتها. إن الاستمرار في إعادة إنتاج نفس الوعود المعسولة ونكثها عند أول منعطف حكومي، أدى إلى مفعول عكسي تماماً؛ إذ تلاشت تلك السذاجة الانتخابية التي كانت تراهن عليها الكائنات الحزبية، وحل محلها وعي شعبي حاد وجارف. لقد كشف المواطن المغربي بذكائه الفطري قواعد “اللعبة السياسية” وبات يرى بوضوح الخيوط التي تحرك مسرحية الوعود.
هذا التكرار الممنهج لسيناريو “الردة البرامجية” أكسب الشارع المغربي مناعة صلبة ومقاومة ذاتية ضد النفاق السياسي الممنهج. فلم تعد الهتافات الحماسية، ولا الصور التسويقية المقترنة بـ”توزيع الابتسامات” في الأسواق والدواوير خلال الأيام الاثني عشر للحملة الانتخابية، تنطلي على أحد. المواطن اليوم أصبح يمتلك “راداراً” دقيقاً لفرز البرامج الجادة عن تلك التي صيغت بمداد الدعاية؛ حيث تحول النفاق السياسي من أداة للتمكين الانتخابي إلى سلاح يرتد على الأحزاب نفسها، مفرزاً ظواهر مقلقة مثل العزوف الإرادي عن صناديق الاقتراع، أو التصويت العقابي. إن السخرية السوداء التي تقابل بها منصات التواصل الاجتماعي الشعارات الحزبية الحالية لهي أسطع دليل على أن الشعب المغربي لم يعد مستعداً لابتلاع طعم الوعود المعلبة، وأن جدار “المناعة” الذي بناه بمرارة تجاربه السابقة، بات يفرض على النخب السياسية إما القطع مع الهواية التدبيرية والتحلي بالصدق، أو مواجهة عزلة سياسية تامة أمام شعب كسر قواعد اللعبة ولم يعد يلدغ من جحر الأحزاب مرتين.
بين قناع “الصديق الوديع” وسوط “الجلاد”
تختزل هذه المفارقة فصاماً سياسياً مشوهاً يعيشه المواطن مع الهيئات السياسية؛ إذ يجد نفسه أمام كائنين متناقضين يولدان من رحم الحزب نفسه تزامناً مع تبدل المواقع. الأول كائن يظهر في أيام الحملة الانتخابية، متدثراً بثوب “الصديق الوديع” الذي يصغي لآلام البسطاء، ويوزع الابتسامات والوعود الوردية الشافية لكل الأزمات. أما الثاني، فيولد بمجرد اعتلاء كراسي المسؤولية، حيث يخلع قناع الوداعة ليتحول إلى “جلاد” يواجه جيوب المواطنين بقرارات تقشفية قاسية وسياسات تبريرية تزيد من وطأة المعاناة.
إن هذا التحول الحربائي من الوداعة الانتخابية إلى القسوة التدبيرية هو العائق الأكبر أمام بناء مشهد سياسي سليم. فالأحزاب بممارستها هذه، تضع نفسها في مأزق حقيقي، وتدفع بالعملية الديمقراطية نحو قطيعة تامة مع القواعد الشعبية. ولم يعد أمام هذه الهيئات من مخرج سوى التوفيق بين خطاباتها وممارساتها، وإدراك أن الكراسي الحكومية ليست صكاً مفتوحاً لجلد من وثقوا بوعودها بالأمس، بل هي مسؤولية تتطلب الصدق قبل أي شيء آخر.






















