محمد مفتاح
في الوقت الذي تشتد فيه أزمة الإجهاد المائي بسوس ماسة، شهدت مدينة تارودانت فصلاً سريالياً يختزل أزمة التدبير الترابي. فالإعلان عن تأجيل دورة أكتوبر لمجلس الجهة بسبب غياب النصاب القانوني، لم يكن نتاج قوة قاهرة، بل جاء تتويجاً لتناطح سياسي وتصفية حسابات ضيقة بين مكونات التحالف الحزبي. بل إن الكواليس المتداولة حول “حجز” مستشارين في أحد الفنادق لضمان عدم التحاقهم بالقاعة وإجهاد النصاب، يعكس كيف تحولت الممارسة السياسية إلى تكتيكات احتجاز تدبيري، تُرهن معها مصالح المواطن برغبة الأحزاب في حسم صراع المواقع والامتيازات.
هذا المشهد يؤكد حقيقة صادمة: لقد تحولت الأحزاب بالجهة من رافعة للتنمية إلى حجر عثرة أمام مصالح المواطنين. فحين يُرهن مستقبَل جهة وتُعطّل مشاريعها الاستراتيجية لانتزاع مكسب فئوي، تفقد الديمقراطية المحلية معناها؛ وتصبح انتظارات المواطن البسيط مجرد “رهينة” مجمدة في غرف الفنادق، بانتظار أن تفرج عنها الأحزاب بعد حسم معاركها حول الكراسي والامتيازات الشخصية.
وأمام هذا العبث، تفرض أنفسها أسئلة حارقة: كيف تحولت الإرادة الحزبية الضيقة إلى نقيض تام لـ الإرادة الملكية التي أرادت للجهوية المتقدمة أن تكون رافعة للعدالة المجالية؟ ما الأسباب الحقيقية وراء تعطيل قطار التنزيل، وهل الخلل في النصوص أم في عقليات النخب؟ وإلى متى ستظل مصالح سوس ماسة رهينة “بلوكاج” يفضّل حسابات الغرف المغلقة على استعجالية الإنقاذ التنموي؟
بين الرؤية الملكية والعمى الحزبي: صراع “التنمية” و”الغنائم”
المتأمل في الوثائق المرجعية للجهوية المتقدمة يدرك حجم المفارقة الصارخة؛ فالمنظور الملكي أراد لهذا الورش أن يكون “نموذجاً مغربياً أصيلاً” ودعامة لتعزيز الديمقراطية المحلية الحقيقية. الإرادة الملكية واضحة وجلية: تحويل الجهة إلى فضاء حيوي للتخطيط الاستراتيجي، ومحرك للعدالة المجالية لتقريب القرار التنموي من الساكنة وتقليص الفوارق بين أقاليم الجهة.
لكن، يبدو أن أحزابنا الموقرة في جهة سوس ماسة قرأت نصوص الجهوية المتقدمة بـ “مقلوبها”؛ فبينما تتحدث الرؤية الملكية عن “الاستقلالية الاستراتيجية وتقريب القرار”، فضلت النخب المحلية استيراد “التبعية المطلقة” للمركز والارتهان بتشنجات المكاتب السياسية في الرباط. لقد تُرجمت فلسفة “التضامن المجالي” حزيباً إلى “توزيع كعكة المشاريع” بمنطق القلاع الانتخابية الضيقة، وتحولت “العدالة المجالية” إلى عدالة في تقاسم المناصب والتعويضات داخل اللجان.
أعطاب التنزيل: عندما تلتقي “النواقص القانونية” بـ”خطايا العقليات”
إذا كان قطار الجهوية المتقدمة بجهة سوس ماسة يسير بركابٍ يفضّلون الإقامة في الفنادق على الحضور في الجلسات، فإن البحث في أسباب تعثر التنزيل يكشف أن المشكلة تتجاوز مجرد “مراهقة سياسية” عابرة إلى أزمات بنيوية عميقة تتقاسمها النصوص والعقليات:
أولى هذه العثرات تتجلى في البطء الشديد للاتمركز الإداري؛ فالجهات أُعطيت مسؤوليات كبرى في القوانين التنظيمية، لكن العاصمة الرباط ظلت متمسكة بمفاتيح الخزينة وصناعة القرار. هذا التماطل في نقل الصلاحيات والموارد الحقيقية حوّل رئيس الجهة والمنتخبين في كثير من الأحيان إلى “مُسوِّقين للمطالب” ينتظرون التأشيرة المركزية، بدلاً من كونهم صناعاً للتنمية المحلية بمرونة وسرعة تفرضها طوارئ الإجهاد المائي الحاد بالمنطقة.
والواقع أن هذا البطء والاستقواء المركزي من الرباط يجد مبرره وشرعيته في سلوك الأحزاب السياسية نفسها، التي تغلب منطق “الترضيات والولاءات” على حساب “الكفاءة”؛ حيث تُدار الفروع الجهوية لسوس ماسة ب”التيليكوموند” من المكاتب السياسية في العاصمة. فبدلاً من أن تفرز الأحزاب نخبًا جهوية ذات كفاءة تدبيرية عالية قادرة على إحراج المركز ومفاوضته بندية لانتزاع الصلاحيات، تجدها تفتقر لأطر قادرة على ابتكار حلول لأزمة جفاف سوس أو جلب استثمارات سياحية وفلاحية نوعية. هذا الفراغ المعرفي والتدبيري لدى منتخبي “الأعيان والتسويات القبلية” جعل المركز بالرباط يتعامل مع النخب المحلية بنوع من الوصاية الأبوية الحذرة، لسان حاله يقول: “كيف نفوض سلطات مالية وقرارية كبرى لنخب لا تجيد سوى التناحر حول اللجان، وتكتيكات إجهاد النصاب في الفنادق؟”؛ ليرتد هذا التواطؤ الحزبي-المركزي سلباً على الأقاليم الهشة بالجهة كطاطا والمناطق القروية العميقة بتارودانت وغيرها من المناطق المحسوبة على الجهة، التي تظل ضحية لنخب ترى في الجهوية مجرد “صندوق تعويضات”، وجهاز مركزي يخشى المغامرة بنقل السلطة لغير أهلها.
سؤال الأولويات: عندما تصبح مصلحة المواطن “رهينة” المعارضة الفندقية
أمام هذا العبث التدبيري، يطرح عرقلة اتخاذ القرار سؤالاً مشروعاً ولاذعاً حول سلم الأولويات لدى نخبنا الموقرة: هل الأولوية هي حماية مسار التنمية، أم إدارة الخلافات الحزبية والامتيازات الشخصية؟ إن أحداً لا ينكر حق أي مكون سياسي في المعارضة والنقد؛ لكن المعارضة الحقيقية تُمارس بشرف من داخل قبة المؤسسة، بالحجة والموقف والتصويت العلني، لا بتحويل “النصاب القانوني” والحضور إلى أداة للابتزاز والضغط السياسي من وراء الستار، فالمؤسسة برمتها هنا تواجه خطر فقدان شرعيتها وجدواها التدبيرية.
والأخطر في هذه المعادلة السريالية هو أن المواطن السوسي البسيط لا يعنيه في نهاية المطاف حجم التشنجات داخل كواليس التحالفات، ولا تهمه النسبة المئوية لاستفادة هذا المستشار أو ذاك من ريع المناصب؛ كل ما يعنيه هو أن يرى المشاريع تُنجز والبرامج تُنفذ. المواطن ينتظر جهة تتحرك بالسرعة التي تفرضها انتظاراته الحارقة, لا مجلساً مشلولاً لأن أحداً ما قرر أن طموحه الشخصي لن يكتمل إلا بـ “بلوكاج” يعطل مصالح العباد والبلاد.
بين الترفع التدبيري وسوط القانون: أي مستقبل لمجلس سوس ماسة؟
إن واقع الحال يضع نخب جهة سوس ماسة أمام مرآة حقيقتهم السياسية؛ والمثير للأسف والغرابة معاً، هو أن هذه الجهة كانت تاريخياً هي السباقة وطنياً لاحتضان وتنزيل النسخة الأولى من الجهوية في تسعينيات القرن الماضي، فكيف تحول هذا المشتل التاريخي للوعي التدبيري اليوم إلى ساحة للتلاعب والهواية السياسية؟ إن النخب الحالية مطالبة بالارتقاء بالخلاف إلى مستوى المسؤولية والتعفف، أو الاستمرار في ذبح انتظارات المواطنين على مسرح العبث الحزبي. والسيناريوهات القادمة لا تخرج عن خيارين أحلاهما مرّ على هواة البلوكاج: فإما أن يستوعب هؤلاء أن المنصب الانتخابي أمانة وليس ورقة ابتزاز، وإما أن الدولة، عبر سلطة الوصاية المتمثلة في الوالي والقضاء الإداري، لن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى ورشاً ملكياً مهيكلاً يُفرغ من محتواه؛ وسيكون اللجوء إلى المساطر القانونية الصارمة، والتي قد تصل إلى حل المجلس، هو الدواء الكي لإنهاء هذا العبث.
السياسة يمكن أن تختلف، والتحالفات يمكن أن تتبدل، لكن قطار التنمية في سوس ماسة لا ينبغي أن يتوقف كلما تشنجت مزاجية حزب أو سال لعاب مستشار خلف أسوار الفنادق المغلقة. فهل تملك نخبنا شجاعة إنقاذ ما يمكن إنقاذه واحترام الإرث التاريخي لجهتهم، أم أن الساكنة ستحتاج في الانتخابات المقبلة ليس فقط إلى صناديق اقتراع، بل إلى “صناديق إسعاف” لانتشال الجهوية المتقدمة من غيبوبتها الحزبية؟























