عفوًا.. “هوارة” بحاجة إلى عقل.. لا إلى “سوق نموذجّي” آخَر!

kapressدقيقتان agoLast Update :
عفوًا.. “هوارة” بحاجة إلى عقل.. لا إلى “سوق نموذجّي” آخَر!

بقلم: محمد مفتاح

كأننا مصابون بـ “ألزهايمر تدبيري” حاد، أو كأننا ببساطة لا نستفيد أبداً من تجاربنا “المعاقة” التي طبعت، بالكيّ والفضائح، مسيرة مجالسنا التسييرية المتعاقبة في هذه المدينة المكلومة! ألا يكفي أولاد تايمة هذا الفشل الذريع، والشلل النصفّي، والموت السريري الذي طال “السوق النموذجي” القابع قرب مسجد بن جدي بـ”حي الكرسي”؟ ذلك المسخ الإسمنتي الذي وُلد ميتاً وتحوّل إلى نصب تذكاري يجسد عقم التخطيط وفوضى التسيير، ألا يكفينا لكي تكفّ العبقرية الجماعية عن ممارسة هوايتها المفضلة في هدر الزمن والمال؟
لست أدري كيف أفسر هذا الإصرار العجيب على تحويل مقر الجماعة القديم إلى “مركز تجاري” جديد؟! إنها قمة “السريالية” التنموية؛ ففي الوقت الذي يئن فيه شباب أولاد تايمة تحت وطأة تيهٍ قاتل، يتسكعون في أزقة المدينة كأرقام منسية في الهامش يغالبون “العجاج”، وفي الوقت الذي تختنق فيه الساكنة من غياب تام لأبسط المتنفسات الترفيهية والثقافية التي من شأنها أن تحفظ ما تبقى من العقل البشري، يخرج علينا “منقذو المدينة” بوصفة دكاكين جديدة لبيع الجوارب والأواني! وكأن مشكلة الشباب الهواري ومعهم الساكنة تتلخص في نقص “التبضع”، أو كأن الفراغ الروحي والقاتل السيكولوجي الذي يلتهم طاقات المدينة يمكن علاجه بجولة “شوبينغ” في قيسارية جماعية! إنه العبث في أبهى تجلياته: الإصرار على تكرار خطيئة “بن جدي” الاستثمارية، وترك عقول الشباب والوعي الإنساني خراباً يباباً، في زمن تحتاج فيه الساكنة –أكثر من أي وقت مضى– إلى فضاءات مشجعة بمعايير عصرية تكون بمثابة متنفسات ثقافية وترفيهية حقيقية.

من تجارة الجوارب إلى عقم النخب.. سريالية التدبير الهواري
وفي الوقت الذي كنت أنتظر من ذلك “المجتمع المدني” العرمرم، الذي يملأ الدنيا صخباً ببياناته الرنانة وتظاهراته الموسمية، ومن مئات الجمعيات التي تفرخ في المدينة كالفطر، أن تحرك ساكناً أو تبدي موقفاً، وجدتها تلوذ بصمت القبور، وتبتلع ألسنتها في خشوع تام أمام مقصلة “المنحة الجماعية”! والمثير للسخرية والشفقة معاً، أن هذا الصمت المطبق يأتي رغم ما تعانيه هذه الجمعيات نفسها من أزمة حانقة في إيجاد مقر أو فضاء يحتضن أنشطتها، سواء الإشعاعية الموجهة للعموم أو حتى الداخلية التدبيرية. لقد نجحت الجماعة في هندسة معادلة ترويض فريدة: “الصمت مقابل الفتات”، ليتحول الفاعل الجمعوي من قوة اقتراحية تقود التغيير إلى مجرد كائن مغلوب على أمره، يبتلع غصته خوفاً من أن تُقطع عنه حنفية الدعم فيموت عجزاً وتنتهي صلاحيته.
وهنا تحديداً نلمس عمق التناقض السيكولوجي والتدبيري الذي يعشش في عقول مدبري الشأن المحلي؛ فبينما يُفترض بالجماعة الترابية أن تكون ملاذاً لخدمة المواطن والاستثمار في وعيه وبناء عقله، تجدها تتحول بامتياز إلى دور “الشناق” والمضارب العقاري المنافس للقطاع الخاص. إنه انفصام تنموي حاد: الجماعة تترك مهامها الأصلية في توفير فضاءات تحفظ كرامة الشباب وتنقذهم من التيه، لترتدي وزرة التاجر الذي يبحث عن ريع المحلات التجارية وكراء الدكاكين. يهربون من عبء تسيير الثقافة لأنها “لا تدر ربحاً مادياً سريعاً”، ويرتمون في أحضان الإسمنت التجاري ضاربين بعرض الحائط حقيقة بسيطة: إن مدينة بلا روح ثقافية هي مجرد سوق كبير، والشباب الذي لا يجد مسرحاً أو نادياً يحتويه اليوم، لن تجد الجماعة غداً قيساريات كافية لامتصاص انحرافه وتيهه، بل ولن تجد –وهذا هو الأخطر– نخباً سياسية واعية تستطيع في المستقبل حمل المشعل وبناء المدينة!

المخرج الحقيقي: استثمار في العقول لا في “السوارت”
إن الخروج من هذا النفق التدبيري المظلم لا يحتاج إلى معجزات، بل يحتاج فقط إلى تغيير النظارات التجارية التي يرتديها حكماء المجلس، والبدء في التفكير بعقلية “المسؤول” لا بعقلية “السمسار”. البديل الحقيقي والمشروع الذي كان الأجدر أن يلتهم وعاء المقر القديم ليس دكاكين إضافية، بل تشييد “دار جمعيات بمواصفات عصرية”؛ حاضنة سوسيو-ثقافية متكاملة ترفع الحجر عن كاهل المجتمع المدني وتنقذ طاقات المدينة من الضياع.
نحن بحاجة إلى صرح يضم قاعة مسرح حقيقية باحترافية وطنية تعيد الاعتبار للصيت العالمي للمسرح الهواري وتتسع لعشاقه، بدل تلك “العلبة الضيقة” في المركب الحالي. نحتاج إلى متحف حيّ يخزن ذاكرة هوارة الكبرى ويحمي هويتها من النسيان، وإلى مقهى أدبي بشروط موضوعية يجمع المبدعين ويوفر فضاءً للنقاش الفكري الرصين. والأهم من ذلك، نحن بحاجة إلى دار للصحافة والاعلام تؤطر المشهد المحلي وتنقيه من هذا “الضجيج الإلكتروني” العشوائي الذي يصمّ الآذان ويقتات على “البوز” الرخيص.
هذا المشروع المتكامل لن يكون مجرد جدران، بل سيكون آلية تمنح الجمعيات آليات الاشتغال والتمويل الذاتي عبر مداخيل الأنشطة الفنية والملتقيات، مما يحررها نهائياً من “مذلة” المنح الموسمية ويرفع عنها سيف التبعية الجماعية.
فهل يملك مدبرو شأننا المحلي الشجاعة للاستثمار في عقول شباب أولاد تايمة وبناء إنسانها، أم أن بريق “السوارت” ومداخيل كراء المحلات سيبقى دائماً هو البوصلة التي تقود المدينة نحو المزيد من الأسواق النموذجية الفاشلة؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News