بلوكاج عمالة أولاد تايمة.. من المستفيد من إبقاء الوضع على ما هو عليه؟

kapress14 دقيقة agoLast Update :
بلوكاج عمالة أولاد تايمة.. من المستفيد من إبقاء الوضع على ما هو عليه؟

بقلم : محمد مفتاح
في خضم النقاش العمومي الدائر حول الهندسة الترابية للمملكة، يبرز ملف ترقية مدينة أولاد تايمة (عاصمة قبائل هوارة) إلى عمالة مستقلة كأحد أكثر الملفات تعبيرًا عن التناقض بين المؤهلات الواقعية والحسابات السياسية الضيقة.

إن المتأمل في المؤهلات الديمغرافية والاقتصادية للمنطقة يدرك دون عناء أن تأجيل هذا التحول لا يرتبط بضعف في البنية الترابية أو بعجز في الأهلية التنموية، بقدر ما يرتبط بكوابح ناتجة عن صراعات حزبية وتنافس انتخابي يخشى صانعوه إعادة رسم الخريطة السياسية لإقليم تارودانت الشاسع. ولعل ما يزكي هذا الطرح هو وجود نماذج حية لمدن ومناطق أقل كثافة سكانية وأضعف إمكانيات اقتصادية حظيت بصفة عمالة أو إقليم في تقسيمات سابقة، مثل طانطان، بوجدور، أو حتى وزان وسيدي بنور، والتي تم ترقيتها لاعتبارات تنموية أو جيواستراتيجية، في حين تظل حواضر هوارة بمقدراتها الفلاحية الضخمة ومنطقتها الصناعية الواعدة وسكانها الذين يتجاوزون مائة ألف نسمة، رهينة التبعية الإدارية التي تثقل كاهل المواطنين وتستنزف جهودهم في التنقل اليومي لقضاء مآربهم المركزية.
إن جوهر الإشكالية يتعدى مسألة الإمكانات المادية ليرتبط مباشرة بالخوف من تغيير الخريطة الانتخابية للجهة وإعادة توزيع المقاعد البرلمانية؛ فتحويل أولاد تايمة إلى عمالة مستقلة يعني حتمًا فصلها انتخابيًا وجغرافيًا عن إقليم تارودانت بدائرتيه الشمالية والجنوبية.

هذا الترسيم الجديد من شأنه نسف القواعد الخلفية للأحزاب الكبرى التي تسيطر على بلدية أولاد تايمة أو الجماعات المحيطة بها، حيث تخشى هذه القوى فقدان نفوذها المشترك والممتد بين أعيان الجبال والبلدات الأخرى في تارودانت، مما يدفع بعض التيارات السياسية إلى فرملة المقترح سرًا لعدم خسارة خزان انتخابي مضمون ومجرب يضمن استمرار تمثيليتها التقليدية.
وينضاف إلى ذلك صراع الزعامة الإقليمية والوجهاء السياسيين وتضارب مصالح النخب النافذة من أعيان ورجال أعمال وقيادات حزبية من الصف الأول داخل إقليم تارودانت، والذين يرفضون بشدة إضعاف المركز الحالي. ويرى هؤلاء الوجهاء أن اقتطاع أولاد تايمة، بصفتها الرئة الاقتصادية والفلاحية النابضة للإقليم، سيفقد تارودانت وزنها الديمغرافي والمالي لصالح العمالة الفتية، مما يضعف بالتبعية نفوذهم السياسي وهيمنتهم على مستوى جهة سوس ماسة وعلى المستوى الوطني، وهو ما يفسر حجم الضغط السياسي المضاد الذي يُمارس في الكواليس للحفاظ على الوضع القائم وحظر أي تعديل ترابي.
هذه التوازنات المعقدة تزداد ترهلاً في ظل غياب “بلوك” برلماني موحد قادر على تجاوز الألوان الحزبية الضيقة وتشتت الجهود المحلية؛ فرغم أن للمدينة والإقليم ممثلين في البرلمان يملكون قنوات اتصال مباشرة وصريحة مع رئيس الحكومة ووزير الداخلية، إلا أن التنافس الحزبي المحتدم في هوارة يمنعهم من تشكيل جبهة دفاع موحدة وقوية. ولعل هذا ما يحول ملف “العمالة” إلى مجرد بطاقة للمزايدات السياسية والدعاية الموسمية قبل الاستحقاقات، وبمجرد أن تنتهي الانتخابات وتُفرز الصناديق، تدخل الدبلوماسية البرلمانية للمنطقة في حالة برود تام بسبب الخلافات حول من سيُنسب له الفضل في هذا الإنجاز التاريخي.
ولا تقف حدود المنافسة عند العتبة البرلمانية بل تمتد إلى الحسابات السياسية داخل “مجلس الجهة” والصراع المحموم على الميزانيات، إذ إن إحداث عمالة جديدة يفرض تلقائيًا إعادة هندسة توزيع ميزانيات جهة سوس ماسة والاستثمارات العمومية والمصالح الخارجية. وتلعب الصراعات الحزبية داخل المجلس دورًا حاسمًا في توجيه المشاريع وتحديد الأولويات، حيث إن تحويل أولاد تايمة إلى عمالة سيعطيها الأسبقية التشريعية والتنفيذية في جلب الاستثمارات والوزارات والمؤسسات الكبرى، وهو سيناريو قد لا يخدم الأجندات السياسية الحالية التي ترغب في التركيز على أقطاب أخرى وحرمان هوارة من وهجها التنموي المستحق.
من الناحية المسطرية، لا تشكل القوانين عائقًا أمام هذا الطموح المشترك، إذ يتيح النظام التشريعي المغربي آليتين قانونيتين واضحتين لتحقيق هذا الانتقال؛ أولاهما مسار “مشروع القانون” الذي تتقدم به وزارة الداخلية كجهة حكومية وصية وتصادق عليه الأغلبية البرلمانية، وهو مسار يبدو يسيرًا بالنظر إلى التوافقات السياسية التي طبعت الولايتين الحكوميتين السابقتين والحالية. وثانيهما آلية “مقترح القانون” التي يمكن أن يبادر إليها برلمانيو المنطقة عبر فرقهم النيابية لتقديمه إلى المؤسسة التشريعية، وهو خيار يملك كل مقومات النجاح العددي والسياسي داخل قبة البرلمان إذا ما توفرت الإرادة الحقيقية وتجاوزت النخب المحلية خلافاتها الحزبية الضيقة. غير أن رهن هذا المطلب الحيوي بالتوافقات الفوقية للأحزاب يفرض بالضرورة تفعيل القوة الاقتراحية للمجتمع المدني عبر “آلية العرائض” التي كفلها دستور 2011، والتي تمنح المواطنات والمواطنين والجمعيات الحق في تقديم ملتمسات وتشريعات مباشرة إلى مجلس النواب أو الحكومة بعد استيفاء الشروط القانونية وجمع التوقيعات اللازمة. إن تحريك آلية العريضة الشعبية في ملف عمالة أولاد تايمة من شأنه أن يرفع الحرج عن النخب السياسية، ويحول المطالب المحلية من ورقة للمزايدات الانتخابية الموسمية إلى فرضية واقعية ملزمة على طاولة القرار المركزي، لتتحرر المنطقة من حسابات الأعيان وصراع الزعامات الإقليمية نحو أفق تنموي يستجيب لحجمها الحقيقي كمحرك اقتصادي لا غنى عنه في جهة سوس ماسة.
بالتالي، يتأكد للمتتبع المنصف أن العائق الأساسي الذي يقف أمام خروج عمالة هوارة إلى الوجود ليس “مسطرة قانونية” معقدة أو “عجزًا تنمويًا” مفترضًا، بل هو غياب الإرادة السياسية المحلية والإقليمية الموحدة، وتغليب الحسابات الانتخابية الضيقة للأحزاب ومصالح وجهاء الإقليم على المصلحة التنموية التوسعية والملحة لساكنة أولاد تايمة.

محمد مفتاح

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News