منير نافيع
أثارت قضية الشاب سلامة تفاعلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن ما يدعو إلى الاستغراب حقا هو السرعة التي اندفع بها بعض الصحفيين والمدونين إلى إصدار الأحكام وتوجيه الاتهامات لرجال الأمن، قبل ظهور نتائج التحقيق أو الاستماع إلى جميع الأطراف المعنية.
من حق أي مواطن أن يطالب بالحقيقة، ومن حق أي شخص يدعي تعرضه لاعتداء أن يجد من يتضامن معه، لكن ليس من حق الصحفي أن يحول رواية واحدة إلى حقيقة مطلقة، أو أن يقدم نفسه قاضيا يصدر الأحكام قبل أن تقول الجهات المختصة كلمتها. فالصحافة مهنة تقوم على التحقق والتوازن، لا على الانفعال أو السعي وراء التفاعل السريع.
المؤسسة الأمنية، شأنها شأن أي مؤسسة، تخضع للقانون، وإذا ثبت وقوع أي تجاوز فهناك آليات قانونية للمساءلة والمحاسبة. وفي المقابل، فإن تحميل رجال الأمن المسؤولية بشكل مسبق، دون أدلة أو نتائج رسمية، لا يخدم الحقيقة، بل يساهم في نشر الأحكام المسبقة وإضعاف ثقة الرأي العام في الإعلام.
والأخطر من ذلك أن التسرع في بعض التغطيات الإعلامية فتح المجال أمام جهات انفصالية لاستغلال القضية ومحاولة توظيفها في حملات دعائية تستهدف مؤسسات الدولة. فعندما يتخلى الإعلام عن واجبه في التحقق والتوازن، ويستبدل المهنية بالأحكام المسبقة، فإنه يمنح أصحاب الأجندات مادة يستغلونها للتشكيك وإثارة الجدل. لذلك، فإن مسؤولية الصحفي لا تقتصر على نقل الخبر، بل تمتد إلى إدراك أثر كلماته وكيفية توظيفها في الفضاء العام، لأن الكلمة غير الدقيقة قد تتحول إلى أداة تخدم أهدافا لا علاقة لها بالحقيقة.
الصحفي المهني لا يسبق القضاء، ولا يبني مواقفه على منشور أو مقطع فيديو أو رواية منفردة، بل يبحث عن الحقيقة من جميع زواياها، ويمنح كل الأطراف حق الرد، ويترك للقانون مهمة الفصل.
العدالة الحقيقية لا تتحقق بالصراخ ولا بالمحاكمات الإعلامية، وإنما باحترام قرينة البراءة والاعتماد على الأدلة والوقائع. أما تحويل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لإصدار الأحكام، فليس انتصارا للحقيقة، بل انتصار للفوضى.
اليوم، المطلوب من الإعلام أن يكون جزءا من الحل لا جزءا من المشكلة، وأن يلتزم بأخلاقيات المهنة، لأن الكلمة غير المسؤولة قد تسيء إلى أشخاص ومؤسسات، بينما الحقيقة لا تكتمل إلا بعد انتهاء التحقيقات وكشف جميع الوقائع. فالمهنية لا تقاس بسرعة النشر، بل بدقة المعلومة، واحترام القانون، وصون المصلحة العامة.























