التحالفات الهجينة بالمغرب: عندما تذوب الأيديولوجيا في “طنجرة” الحقائب والكراسي

kapress4 دقائق agoLast Update :
التحالفات الهجينة بالمغرب: عندما تذوب الأيديولوجيا في “طنجرة” الحقائب والكراسي

بقلم : محمد مفتاح

في المغرب، إذا أردت أن تفهم السياسة، عليك أولاً أن تنسى كل ما تعلمته في كتب العلوم السياسية، وأن تدرس بدلاً من ذلك “فن السحر والخدع البصرية”. العملية الانتخابية لدينا تشبه إلى حد كبير تلك الصناديق الخشبية التي يدخل إليها الساحر حمامة بيضاء، ليخرج منها بعد ثوانٍ قليلة أرنباً سميناً. الحمامة هنا هي “صوتك الانتخابي النقي”، والأرنب هو “الكرسي الوزاري الوثير”.
الكاميرا الخفية.. بنكهة ديمقراطية، من تماسيح وعفاريت إلى “شركاء في الكعكة.
تخيل معي هذا المشهد السريالي: تقضي أسابيع في قراءة البرامج الانتخابية (وهي هواية غريبة يمارسها قلة من المتفائلين). تقتنع بحزب “ألف” الذي يرفع شعار محاربة الفساد ويسوق لخطاب طوباوي يعد بالرخاء. تذهب يوم الاقتراع بحماس، تلطخ إصبعك بالحبر الأزرق، وتشعر بالفخر لأنك ساهمت في “التغيير”.
تنام ليلتك وأنت تحلم بفرص الشغل والعدالة الاجتماعية. تستيقظ في الصباح الموالي، لتفتح التلفاز وتجد رئيس حزبك “المناضل” يعانق بحرارة رئيس الحزب “باء”؛ وهو نفس الحزب الذي كان يتهمه قبل 24 ساعة فقط بتخريب البلاد ونهب العباد! هنا تحديداً، تلتفت حولك في الغرفة باحثاً عن عدسات “الكاميرا الخفية”، لكنك للأسف تكتشف أن البرنامج حقيقي، وأنك بطل الحلقة دون أن تتقاضى أي تعويض.
الأيديولوجيا في “سوق الدلالة”، حكايتنا مع “الْقَالَبْ” التكتيكي.
في بورصة التحالفات المغربية، تباع المبادئ والأيديولوجيات في “سوق الدلالة” بأبخس الأثمان. لا يهم إن كان الحزب إسلامياً، يمينياً، يسارياً، أو حتى قادماً من كوكب آخر. بمجرد أن تظهر نتائج المقاعد، تذوب كل الفوارق الفكرية في “طنجرة” التوافقات الحكومية.
تكتشف كمواطن، وبشكل مفاجئ، أن الصراع المرير الذي شهدته في التجمعات الخطابية لم يكن صراعاً من أجل “إنقاذ الوطن”، بل كان مجرد “تسخينات رياضية” للفوز بقطعة أكبر من “كعكة” الحقائب الوزارية. الحزب الذي صوّتَّ له لكي يعيد لك كرامتك، يرى أن كرامته الشخصية لا تكتمل إلا بـ “سيارة فارهة برقم مائي” وكرسي مريح ينسيه عناء الجري وراء أصواتك في الدروب الضيقة.
“الْقَالَبْ” التكتيكي وآلية التبرير.
الأكثر إثارة للضحك (والبكاء في آن واحد) هو المبررات التي تساق للمواطن بعد حدوث هذه “الخيانة الرومانسية”. يخرج الناطق الرسمي باسم الحزب بابتسامة عريضة ليقول لك: “لقد تحالفنا مع الخصم من أجل مصلحة الوطن، وضمان الاستقرار الحكومي”.
وهنا يتساءل المواطن المصدوم:
• كيف تحولت “الخطوط الحمراء” التي رسمتموها في الحملة إلى “سجاد أحمر” يدوس عليه الخصوم نحو المناصب؟
• كيف أصبح “المفسد” بالأمس “شريكاً استراتيجياً” اليوم؟
• أين ذهبت الوعود بـ “الزلزال” الذي سيغير المعيش اليومي؟
الجواب البسيط: لقد شربت “قَالباً” تكتيكياً معتبراً، مغلفاً بورق السولوفان الديمقراطي. أنت منحتهم ثقتك ليكونوا صوتك، وهم استخدموا هذا الصوت كـ “سلم” للصعود، ثم سحبوا السلم وتركوك عالقاً في الأسفل تواجه غلاء الأسعار وفواتير الماء والكهرباء بمفردك.
نهاية الفيلم: المواطن هو “الكومبارس” دائماً.
في الختام، يكتشف المواطن المغربي بعد كل محطة انتخابية أنه ليس “العريس” في هذا العرس السياسي، بل هو مجرد “كومبارس” تم استدعاؤه لتأثيث المشهد وقراءة الفاتحة على وعود تبخرت قبل أن يجف حبر المحاضر الانتخابية. التحالفات السياسية لدينا أثبتت أن المقاعد تدوم، والمبادئ تزول، والمواطن “كياكل القالب” ويمشي بحالو.
ما بعد “الْقَالَبْ”: كيف يسترد المواطن مفاتيح اللعبة السياسية؟
كي لا يظل المواطن المغربي مجرد ضحية أبدية لـ “قوالب” التحالفات والمقاعد، وجب الانتقال من دور “المتفرج المصدوم” إلى دور “الفاعل الحاسم”. الحل لا يكمن في مقاطعة الصناديق وترك الساحة فارغة للمنتفعين، بل في تغيير قواعد اللعبة عبر ثلاث خطوات أساسية:

  1. الوعي الحسابي بدل العاطفي: يجب على المواطن أن يتعامل مع الوعود الانتخابية كعقد تجاري وليس كقصة حب. اسأل المرشح: “من أين ستأتي بميزانية هذا الوعد؟” و”ما هي الضمانات؟” عوض الانتشاء بالشعارات الرنانة.
  2. تفعيل “عقوبة الصندوق”: الحزب الذي يبيع صوتك في سوق التحالفات من أجل حقيبة وزارية، يجب أن يدفع الثمن غالياً في المحطة الموالية. معاقبة الأحزاب الانتهازية بالتصويت العقابي هو السلاح الوحيد لتربية النخب السياسية.
  3. سلاح “العرائض القانونية” (الديمقراطية التشاركية): لم يعد المواطن مجرد رقم ينتهي دوره يوم الاقتراع؛ فالدستور والقوانين التنظيمية بالمغرب يمنحان اليوم الحق للمواطنين والمجتمع المدني في تقديم “عرائض” مكتوبة وموقعة مباشرة إلى رئيس الحكومة، أو رئيس البرلمان، أو حتى المجالس الجماعية والترابية، هذه الآلية القانونية تفرض على المسؤولين إدراج مطالب الشعب (سواء كانت لإنشاء مستشفى، إصلاح طريق، أو تعديل قانون) في جدول أعمالهم ومناقشتها مجبرين إنها الطريقة الحضارية لنقل سلطة القرار من “غرف التحالفات المغلقة” إلى “الإرادة الشعبية المباشرة.
  4. المحاسبة الرقمية المستمرة: بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد المواطن بحاجة لانتظار خمس سنوات ليقول كلمته. يجب تحويل المنصات الرقمية إلى “برلمان شعبي دائم” يراقب الحصيلة، ويفضح التناقضات، ويذكر الوزراء بوعودهم السابقة قبل أن يدخلوا في “غيبوبة المنصب”.
    في النهاية، السياسيون لا يتغيرون لأنهم استيقظوا بضمير جديد، بل لأنهم يشعرون بأن الكرسي الذي يجلسون عليه أصبح مهدداً. وعندما يدرك الفاعل السياسي أن “قوالب” الأمس لم تعد تنطلي على مواطن اليوم، حينها فقط ستحترم التحالفات إرادة الشعب، وتصبح الصناديق وسيلة للتغيير، لا مجرد غطاء لتوزيع الغنائم.
Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News