بقلم: محمد مفتاح
على نفس الكوكب، وفي الدقيقة ذاتها، ينقسم المشهد البشري إلى نقيضين صارخين؛ شاشات تقذف صور الصواريخ وتُحصي أعداد الضحايا تحت الأنقاض، وشاشات أخرى تشتعل بالألوان والألعاب النارية احتفالاً بركلة البداية في المونديال. هذا التناقض السريالي يضع الضمير الإنساني أمام اختبار قارس: هل الركض خلف كرة جلدية وسط نزيف الأوطان هو ضرب من الهروب الأخلاقي والتخدير المتعمد للشعوب؟ أم أن المستطيل الأخضر بات المعقل الأخير لبشرية تحاول النجاة من جنونها، والمنصة الوحيدة التي تفرض قواعد عدالة غابت عن ساحات السياسة؟ بين قسوة المدافع وصخب المدرجات، تكمن فلسفة أعمق من مجرد لعبة.
في عمق هذا المشهد الصاخب، لا يمكن التغاضي عن الحقيقة المرة؛ فالإمبراطوريات الكروية والمهرجانات الرياضية الكبرى تحولت، في كثير من الأحيان، إلى منصات لـ “الغسيل الرياضي” وأدوات تخدير ممنهجة. تُنفق المليارات وتُشيد الصروح الرياضية الفارهة لتوجه عدسات الكاميرات نحو الاحتفالات، في محاولة متعمدة لحجب الرؤية عن دماء الضحايا وسواد المأساة التي تعيشها الشعوب تحت وطأة الحروب. إنها محاولة لفرض صمت قسري على صوت المدافع، ليس لإحلال السلام، بل لصناعة “وهم” بأن العالم بخير، وتوجيه الوعي الجمعي نحو انتصارات وهمية على عشب الملعب، تُنسي الجماهير ولو لحين هزائمهم الإنسانية والسياسية على أرض الواقع. هذا التوظيف السياسي للمستطيل الأخضر يحول اللعبة من مساحة للمتعة إلى ستارة سميكة تُخفي وراءها أبشع الجرائم، مما يجعل الصخب في المدرجات يبدو أحياناً كأنه رقص فوق جراح المنكوبين.
ومع ذلك، غالباً ما تفشل خطط الإلهاء السياسي عندما تقلب الجماهير الطاولة بوعيها الحُر؛ فالمدرجات التي أُريد لها أن تكون ستارة للحجب، تتحول بفعل الشعوب إلى أكبر منصة مكشوفة للمقاومة والتضامن الإنساني. هنا، رغماً عن قيود المنظمين وبروتوكولات “الفيفا” الصارمة، تصدح حناجر آلاف المشجعين بهتافات الحرية، وترتفع أعلام الدول المنكوبة لتُرفرف أمام عدسات كاميرات العالم التي لا يمكن إطفاؤها. يتحول المونديال في هذه اللحظات من أداة للتخدير إلى وسيلة لفضح الجلاد؛ حيث يتضامن المشجعون من مختلف الجنسيات مع القضايا العادلة، لتصبح المدرجات الساحة الدولية الوحيدة التي تملك فيها الشعوب حق “الفيتو” الأخلاقي ضد الظلم. إن هذا الإصرار الشعبي يُثبت أن كرة القدم لا تملك القدرة على محو بشاعة الحرب، لكنها تملك القوة لمنع العالم من نسيانها، محولةً المستطيل الأخضر من ملجأ للهروب إلى منبر للمواجهة.
وتاريخ البطولات الكروية يفيض بلقطات تحولت فيها الملاعب إلى ساحات معارك رمزية انتصرت فيها الشعوب لقضاياها؛ فلم تكن الملاعب يوماً مجرد عشب وأهداف، بل كانت مرآة للوجع الإنساني. إن رفع الجماهير واللاعبين لأعلام الدول الواقعة تحت الاحتلال أو القصف وسط كبرى المحافل العالمية، والهتافات الجماعية المزلزلة التي تصدح بها حناجر الآلاف في المدرجات نصرةً للمستضعفين، هي خير دليل على هذا الانقلاب القيمي. حتى إن امتناع بعض الرياضيين عن مصافحة منافسيهم ممثلي دول العدوان، أو ارتداء شارات سوداء تضامناً مع الضحايا، تحول إلى رسائل سياسية بليغة تخترق الرقابة التلفزيونية الصارمة. هذه المشهديات الرمزية تُثبت أن الجماهير ترفض أن تكون مجرد قطع شطرنج في لعبة الإلهاء، بل تستغل البث المباشر الموجه لمليارات البشر لتقول للعالم: “لا يمكنكم الاستمتاع باللعبة بينما تنزف الإنسانية”.
في النهاية، لا يمكن للأقدام أن تجعل المدافع تصمت، ولا تملك كرة القدم سحراً يوقف نزيف الدماء في عروق الأوطان المنكوبة. لكن فلسفة المونديال في زمن الحرب تكمن في كونه المرآة التي تعري تناقضات هذا العالم؛ فبين محاولات الأنظمة لاستخدامه كأداة للإلهاء، وإصرار الشعوب على تحويله إلى منبر للمقاومة، يبقى المستطيل الأخضر شاهداً على رغبة البشرية الفطرية في السلام والعدالة. المونديال ليس مجرد مهرب من بؤس الواقع، بل هو تذكير صارخ وصاخب لمليارات البشر بأن كوكبنا يمكنه أن يتنافس، ويربح، ويخسر، دون الحاجة إلى رصاصة واحدة، لو أن صناع الحروب احتكموا يوماً لقوانين اللعبة، واحترموا حرمة الإنسان.























