من “الطعيرجة والوناسة” إلى “الديناميت والبوطا”: كيف تطورت الترسانة الحربية لعاشوراء؟

kapress3 دقائق agoLast Update :
من “الطعيرجة والوناسة” إلى “الديناميت والبوطا”: كيف تطورت الترسانة الحربية لعاشوراء؟

بقلم : محمد مفتاح

في الوقت الذي تصرف فيه دول العالم الأول ملايين الدولارات لتطوير برامجها الفضائية وصواريخها البالستية، نجح بعض “عباقرة” الحارات والدواوير عندنا في “هوارة” في ابتكار أرخص برنامج نووي تدميري في التاريخ، تحت شعار: “عاشوراء برعاية قنينات الغاز الصغيرة والمفرقعات العابرة للقارات”.
لقد تحولت ليلة عاشوراء في أزقة أولاد تايمة ودواويرها المجاورة من مناسبة دينية واجتماعية لإدخال البهجة، إلى ما يشبه ساحة حرب استنزاف حقيقية، تُذكرنا بأجواء “ستالينغراد” أو خطوط التماس في الحروب الكبرى. فبينما كانت العائلات قديماً تجتمع حول الفواكه الجافة و”الطعيرجة” والأهازيج الهوارية الأصيلة، أصبح جدول أعمال العائلات اليوم يتضمن: تفقد النوافذ، إحكام إغلاق الأبواب، والتأكد من أن الجميع يرتدي خوذات واقية داخل غرف النوم.
الموضة الجديدة لـ”مراهقي المفرقعات” تجاوزت كل الخطوط الحمراء؛ فلم يعد “زيدان” و”النحلة” و”القرص” يملأون طموحهم العسكري، بل انتقلوا إلى الهندسة الحربية الثقيلة عبر تفجير “البوطا الصغيرة”. نعم، قنينة الغاز التي جُعلت لطهي “الطاجين” أصبحت لدى أطفالنا “ديناميت” محلي الصنع يُفجر وسط الأحياء الآمنة، ليترك الساكنة بين مصدق ومكذب: هل هو زلزال بقوة 6 درجات على سلم ريشتر، أم أن هناك عملية إنزال جوي في الدوار؟
والأغرب من هذا كله، هو ذلك “الهدوء والبرود” الذي يتعامل به بعض أولياء الأمور. تجد الأب يمنح ابنه ذي العشر سنوات “ورقة زرقاء” من فئة 200 درهم، ثم يتفاجأ في الليل أن ابنه اشترى بها مفرقعات من نوع “داعشية” نسفت زجاج سيارة الجار! يبدو أن بعض الآباء يخلطون بين “مصروف الجيب” وتمويل “جبهات القتال”، ثم يتساءلون ببراءة مفرطة: “من أين أتى أولادنا بكل هذا العنف الرقمي والمتفجر؟”.
إن هذا “الإرهاب الصوتي” الذي يروع الرضع، الحوامل، والشيوخ، ويحول شوارعنا إلى مستودعات مغطاة بسحب الدخان الخانق جراء إشعال العجلات المطاطية، لم يعد مجرد “شغب أطفال” أو “تسلية موسمية”. إنه استهتار علني بالحق في الحياة وفي السكينة العامة.
تحية إجلال لرجال الأمن والدرك الملكي الذين يطاردون هذه الأسلحة المهربة، لكن المقاربة الأمنية وحدها لن تصنع الوعي. نحن بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم “التربية” في بيوتنا؛ فمن غير المقبول أن تصبح ميزانية “المفرقعات” تضاهي ميزانية الأدوات المدرسية، ومن المخجل أن نرى شباباً في مقتبل العمر يفقدون أعينهم أو أطرافهم من أجل “فرقعة” دامت ثانيتين.
يا أهالي هوارة الكرام… عاشوراء تراث وثقافة وقيم، وليست كابوساً حربياً. فلنعد إلى رشدنا، ولنترك “البوطا” للمطبخ، والمفرقعات لخطوط النار، ولنعِد لأحيائنا السكينة التي افتقدناها… وكفى تفجيراً في مستقبل أبنائنا.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News