مكاتب التصويت بالمغرب: عندما يصبح “ولد المقاطعة” حارساً للديمقراطية!

kapress6 ساعات agoLast Update :
مكاتب التصويت بالمغرب: عندما يصبح “ولد المقاطعة” حارساً للديمقراطية!

بقلم : محمد مفتاح

تخيل معي هذا المشهد المهيب: يوم الاقتراع، يجلس السيد “رئيس مكتب التصويت” وراء مكتبه، بهيبة تذكرك بملوك العصور الوسطى. أمامه الصندوق الزجاجي المقدس، وحوله باقي الأعضاء، يوزعون أوراق التصويت وكأنهم يوزعون صكوك الغفران. القانون يقول إن هذا الرئيس هو “الحاكم بأمره” داخل هذا المكتب، يملك صلاحية طرد من يشاء، والاستعانة بالقوة العمومية لإعادة النظام. باختصار، هو “الإمبراطور” لـ 12 ساعة كاملة.
لكن، كما يقول المثل المغربي: “الزواق يطير” بمجرد أن تفتش في “شجرة العائلة” لهذا المكتب الديمقراطي!
في الانتخابات التشريعية، وبفضل “العبقرية اللوجستية” لسلطاتنا المحلية، اكتشفنا أن الديمقراطية يمكن أن تكون “مشروعاً عائلياً ناجحاً جداً”. فلماذا نبحث عن غرباء لتدبير الصناديق بينما “أبناء الموظفين وأقاربهم” في المقاطعة عاطلون عن العمل وينتظرون “البركة” المادية لنهاية اليوم؟ هكذا، تحولت بعض المكاتب إلى ما يشبه “جلسة شاي عائلية”، حيث يتبادل الأعضاء أوراق التصويت بنفس الحميمة التي يتبادل بها الأقارب أطباق الكسكس في أعياد المؤمنين.
والمفارقة هنا لا تقف عند صلة القرابة، بل تمتد إلى “الأداء الفني” لهؤلاء الأعضاء. تدخل كمواطن متحمّس، يحذوك الأمل في التغيير، فتجد أمامك كائناً بشرياً يعيش في حالة “سبات انتخابي”. وجوده كعدمه، لا يعرف عن “حقوق الإنسان” أو “نزاهة الاقتراع” أكثر مما يعرفه “المقدم” عن أسرار البيوت! هو لا ينتظر انبثاق الإرادة الشعبية، هو ينتظر فقط تلك اللحظة المقدسة: الثامنة مساءً، إغلاق الصندوق، وتوقيع محضر التعويض المالي. إنها ديمقراطية “شحّال غتعطيوني فالعشية”؟
أما النكتة الأكبر في هذا “الفيلم الانتخابي”، فهي مسألة “الحياد والاستقلالية”. القانون يمنح رئيس المكتب سلطة مطلقة، ويمنع “المقدم” أو “الشيخ” من التدخل. هذا في النص القانوني الأزرق. أما في الواقع، فكيف لهذا الرئيس (الذي هو في الأصل ابن موظف بالمقاطعة، أو مدين بـ “الفيزا الانتخابية” لعون السلطة) أن يرفع عينه في وجه “المقدم”؟
بموجب القانون، رئيس المكتب هو “البيك بوس”، وبموجب الواقع، تكفي “غمزة” واحدة أو “حنحنة” من “المقدم” الواقف عند الباب، ليعرف الرئيس والمساعدون اتجاه الريح، ويتحول الحارس المفترض للديمقراطية إلى تلميذ مطيع ينفذ التعليمات بـ “الهز غير المباشر للرأس”.
إذا كنا نريد حقاً صناديق ديمقراطية، فلا بد من التوقف عن هندسة المكاتب بعقلية “الوزيعة العائلية” و”التبعية الإدارية”. نريد أساتذة، ومحامين، وشباباً مشبعين بوعي حقوقي حقيقي، أشخاصاً إذا نظر إليهم “المقدم” شزراً، يذكرونه بحجمه القانوني. أما الاستمرار في ملء المكاتب بـ “باك صاحبي” و”ولد المقاطعة”، فلن ينتج لنا سوى مكاتب تصويت… تسير بنظام “الدفع المسبق” والتحكم عن بُعد!
إن صوت المواطن ليس ورقة تُلقى في صندوق، بل هو صك كرامة يستحق حراساً يدركون قيمته الحقوقية، لا موظفين ينتظرون “تعويض نهاية اليوم” للتوقيع والمغادرة. إن رهن مصير مكاتب التصويت بقرابات إدارية وولاءات خفية هو تفخيخ صامت لثقة المواطن في التغيير. الديمقراطية الحقيقية لا تصنعها مكاتب تُدار بعقلية “باك صاحبي” و”هز الرأس”، بل تصنعها إدارة انتخابية مستقلة تماماً، تملك من الوعي ما يجعلها جداراً يحمي الصندوق، ومن السيادة ما يجعل “المقدّم” يقف وراء الباب… مجرد متفرج!.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News