الأحزاب لا تموت: فصل المقال في خطأ أطروحة “الموت السريري” للهيئات المغربية

kapress18 يوليو 2026Last Update :
الأحزاب لا تموت: فصل المقال في خطأ أطروحة “الموت السريري” للهيئات المغربية

بقلم : محمد مفتاح
من الأخطاء الشائعة والسطحية في حقل التحليل السياسي المعاصر، الاندفاع المتسرع نحو تبني لغة بيولوجية لنعي الهيئات السياسية، عبر توظيف مصطلحات من قبيل “الموت السريري” أو “الفناء” لإسقاطها على الأحزاب المغربية. إن الحزب السياسي ليس كائناً بشرياً يخضع لخط زمني حتمي ينتهي بمفارقة الحياة؛ الموت صفة إنسانية حصرية لا تسري على البنيات التنظيمية.
والأحزاب، في عمقها السوسيولوجي، هي مؤسسات قانونية واعتبارية، وطبعا هذه المؤسسات لا تموت بيولوجياً بل تتعرض لـ “الإفلاس” السياسي والوظيفي شأنها شأن المقاولات حين تفقد رأسمالها الرمزي وتفشل في تدبير أزماتها. من هنا، فإن تشخيص واقع المشهد الحزبي المغربي اليوم لا يتطلب إعلان الوفاة، بل يستدعي تشريحاً دقيقاً لبنيتها التنافسية. وتأسيساً على هذا المنظور، تفرض جملة من التساؤلات المحورية نفسها كأرضية للمساءلة والتحليل:
ما هو مفهوم الحزب السياسي في أبعاده السوسيولوجية والوظيفية العميقة؟، وما هي أبرز مظاهر الإفلاس الحزبي التي يعيشها المشهد السياسي المغربي الراهن؟، وأين تتجلى مسؤولية المواطن في ترسيخ هذا الإفلاس؟، وفي الختام ما هي السبل الكفيلة بإعادة الوضع إلى حالته الطبيعية واسترجاع الأحزاب لأدوارها الحقيقية؟

في البدء كان التنظيم.. مفهوم الحزب ومظاهر “الإفلاس” المؤسساتي بالمغرب
قبل الخوض في تشخيص الأزمة الحزبية بالمغرب، يغدو من الضروري العودة إلى المعنى التأسيسي لـ الحزب السياسي. ففي سوسيولوجيا السياسة، لا يُعرَّف الحزب كجمعية خيرية أو نادٍ للنخبة، بل هو مؤسسة دستورية وقانونية تهدف إلى تنظيم وتأطير المواطنين، وتمثيل التعددية المجتمعية، والوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها عبر قنوات صناديق الاقتراع. الحزب هو “آلة لإنتاج الأفكار والمشاريع المجتمعية” وعصب الحياة الديمقراطية لأي دولة حديثة.
ويخضع الحزب في كينونته لـ أوراقه التأسيسية التي تُمثل هويته وحمضه النووي، بما تحمله من مرجعيات فكرية، وفلسفية، وأيديولوجية ترسم أهدافه وتوجهاته. وطبيعي أن هذه الوثائق والأنظمة الأساسية ليست نصوصاً جامدة أو “مُنزّهة” عن التعديل؛ فإذا كان الدستور ــ وهو أسمى قانون في الدولة ــ يخضع للمراجعة والتعديل استجابةً للتحولات التاريخية والمجتمعية، فإن أوراق الأحزاب أولى بأن تكون مرنة وقابلة للتطوير حتى لا تتحول إلى قوالب محنّطة تعزل الحزب عن واقعه.
بناءً على هذا التعريف المرجعي، فإن ما يشهده المغرب ليس “وفاة بيولوجية” لهذه الكيانات؛ إذ إن شخصنتنا للعمل السياسي هي التي جعلتنا نتوهم أن الحزب ــ كباقي المخلوقات الحية ــ يتعرض للموت. والواقع أنه يعيش “إفلاساً مؤسساتياً” صريحاً ناتجاً عن العجز عن تجديد مرجعياته الفكرية. وهو إفلاس يمكن معالجته، تماماً كحال باقي المؤسسات، عبر مخططات لتصحيح المسار أو خطط استعجالية للإنقاذ عند الاقتضاء، شريطة توفر رغبة حقيقية مبنية على الإرادة الجماعية للقواعد والمنخرطين، لا على المصالح الشخصية الضيقة للقيادة. ويتجلى هذا الإفلاس البنيوي في ثلاثة مظاهر رئيسية:
• العجز عن الوساطة والتأطير: تخلت الأحزاب عن دورها التاريخي كصلة وصل بين الدولة والمجتمع، مما خلق فراغاً مؤسساتياً فظيعاً دفع بالديناميات الاحتجاجية والمطالب الشعبية إلى الشارع والمنصات الرقمية مباشرة دون قنوات وسيطة.
• الجمود الفكري وتشابه البرامج: تعاني الهيئات الحزبية من عقم أيديولوجي واضح؛ حيث تلاشت الحدود الفاصلة بين اليمين واليسار بسبب عدم تحيين الأوراق التأسيسية، فتحولت البرامج الانتخابية إلى نسخ مكررة من تقارير تقنية تدبيرية جافة تفتقد إلى مشاريع مجتمعية متميزة.
• الركون إلى “الموسمية الانتخابية”: تحولت مقرات الأحزاب إلى “دكاكين مغلقة” طوال السنة، لا تفتح أبوابها ولا تدب فيها الحركة إلا مع اقتراب المواعيد الانتخابية، مما حصر وظيفتها في توزيع التزكيات وتدبير المقاعد بدل البناء النضالي المستمر.
إن هذا الإفلاس لا يعني زوال الحزب من الوجود، بقدر ما يعني فقدانه لسيولته الرمزية ومصداقيته الأخلاقية، مما يضعه في خانة “المقاولة السياسية المفلسة” التي تحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية شاملة لأوراقها وهياكلها لتستعيد وظيفتها الحيوية.
شريكان في الإفلاس.. مسؤولية المواطن وتحوير اللعبة نحو “الشخصنة”
إذا كان تشخيص الاختلالات البنيوية للأحزاب يقع على عاتق النخب والقيادات، فإن قراءة المشهد بإنصاف تقتضي عدم إعفاء الفاعل المقابل في المعادلة: المواطن/الناخب. فالإفلاس المؤسساتي ليس نتاجاً لقرارات أحادية فوقية، بل هو مسار تساهم فيه فئات واسعة من المجتمع؛ فالأحزاب في نهاية المطاف ليست سوى مرآة عاكسة للثقافة السياسية السائدة في محيطها.
وتتجلى مسؤولية المواطن، ومعها اختلالات المنظومة، في ترسيخ هذا الإفلاس عبر أبعاد بنيوية خطيرة:
• فصل النتائج عن البرامج وتحول الحزب إلى “بطاقة صلاحية”: إن الحالة المتدنية التي وصلت إليها الأحزاب راجعة بالأساس لكون النتائج الانتخابية غدت غير مرتبطة نهائياً بالبرامج الحزبية، بل بالأشخاص ونفوذهم فقط. هنا تفقد الأيديولوجيا قيمتها، ويتحول الحزب في نظر المرشح إلى مجرد “تزكية قانونية” يختارها وفقاً لمصالحه الشخصية لتكملة الشروط التنظيمية للترشح؛ أي مجرد “بطاقة صلاحية” أو تأشيرة عبور إدارية لخوض الانتخابات لا غير.
• العزوف الانتخابي كوقود للمال السياسي: إن مقاطعة المواطن للصناديق والاستقالة الجماعية من التصويت لم تعد سلوكاً احتجاجياً مجدياً، بل أصبحت تفاعلاً سلبياً يغذي لُعاب أصحاب النفوذ. هذا العزوف يفرغ الساحة من الكتلة الناخبة الواعية، ويفتح الباب على مصراعيه أمام “الكائنات الانتخابية” لتتصدر المشهد الحزبي بـ”شكاكيرها المالية”، مستغلةً انخفاض عتبة الأصوات المطلوبة للنجاح لتشتري المقاعد بأقل التكاليف.
• التوافقات المسبقة وموت التنافسية: زاد الأمر تعقيداً الدخول في منطق التوافقات السياسية الهجينة، سواء بين الأحزاب نفسها (التحالفات القبلية والمصلحية) أو حتى مع الإدارات التنظيمية والمحلية. هذا المنطق جعل النتائج الانتخابية والخرائط السياسية تبدو وكأنها “مضمونة ومحسومة مسبقاً”، مما قتل روح المبادرة السياسية، وأشاع الانطباع بأن الفوز لا يحتاج لا لمجهود حزبي، ولا لنضال ميداني، ولا لطروحات فكرية مقنعة.
هذا التواطؤ والتكامل بين حزب عاجز ومواطن مستقيل ومنظومة قائمة على التوافقات والشخصنة، هو الذي أفرغ العمل السياسي من نبضه الديمقراطي، وحوّله من صراع برامج تخدم الصالح العام إلى تكتلات مصلحية نفعية تخدم منطق البقاء الفردي.
سبل العودة إلى “الحالة الطبيعية”.. خارطة الطريق لإنقاذ المؤسسة الحزبية
إن الخروج من نفق الإفلاس المؤسساتي وإعادة المشهد الحزبي المغربي إلى حالته الطبيعية والوظيفة الدستورية المنوطة به، ليس بالأمر المستحيل، لكنه يتطلب إرادة حقيقية لقطع دابر “المقاولة الانتخابية” وإحياء “المؤسسة السياسية”. وتمر هذه العودة الحتمية عبر ثلاثة مداخل رئيسية:
• ثورة ديمقراطية داخلية وتجديد النخب: لا يمكن للأحزاب أن تسوق للمواطنين ديمقراطية تفتقدها داخل بيتها الداخلي. البداية تكمن في تفعيل مبدأ التداول على القيادة، وتحطيم جدران “الخلود في الكراسي”، وفتح الأبواب والنوافذ للشباب والكفاءات لضخ دماء جديدة قادرة على التفكير خارج الصندوق وبعيداً عن منطق الشيخوخة التنظيمية.
• إعادة الاعتبار لسوق الأفكار والبرامج: يجب على الأحزاب تحيين أوراقها التأسيسية ومرجعياتها الفكرية لتلائم مغرب اليوم. إن ربط التزكيات الانتخابية بمدى كفاءة المرشح وقدرته على الدفاع عن برنامج الحزب المجتمعي ــ لا بحجم ثروته ونفوذه القَبَلي ــ هو الكفيل بإنهاء عصر “بطاقات الصلاحية” وإعادة التنافسية السياسية إلى جوهرها الفكري الأصيل.
• “الهزة الشعبية” كشرط وحيد للإنقاذ: إن هذه الأحزاب، في ظل بنيتها الحالية ومصالح نخبها، ما لم تتلقَّ هزة فعلية وقوية من طَرَف المواطن، لا يمكنها مطلقاً أن تخرج من عنق زجاجة الإفلاس. لقد أثبتت التجربة أن الرهان على التغيير التلقائي من داخل المقرات الحزبية هو رهان خاسر؛ لذا يظل المواطن وحده، عبر وعيه وممارسته الإيجابية، هو الكفيل بإرجاع الأمور إلى نصابها. هذه الهزة تتطلب الانتقال من مربع العزوف السلبي الذي يخدم الفساد، إلى مربع “الضغط المدني” و”التصويت العقابي الصارم” المبني على محاسبة البرامج والنتائج، ليكون المواطن هو القوة التعديلية التي تجبر الأحزاب على خطة إنقاذ ذاتية أو مواجهة الاندحار الكامل أمام الصناديق.
نحو مغرب المؤسسات الحية
تأسيساً على ما سبق، نخلص إلى أن إطلاق حكم “الموت السريري” على الأحزاب السياسية المغربية هو تشخيص قاصر يخلط بين الوظيفة والبيولوجيا. الأحزاب مؤسسات، والمؤسسات عندما تنتكس لا تموت بل “تفلس” وتتعطل آلياتها. إن الأزمة الراهنة، بكل ما تحمله من مظاهر الشخصنة، والمال السياسي، والتوافقات الجاهزة، ليست نهاية التاريخ السياسي للمغرب، بل هي جرس إنذار دستوري ومجتمعي يدعو إلى صدمة إصلاحية شاملة. إن مغرب المستقبل ــ الذي يطمح لنموذج تنموي رائد ومؤسسات ديمقراطية قوية ــ لا يمكنه السير برجل واحدة؛ فالدولة القوية تحتاج حتماً إلى أحزاب قوية ووساطة حقيقية، وإصلاح هذا الإفلاس هو مسؤولية جماعية يتقاسمها الفاعل الحزبي الجريء والمواطن الإيجابي باعتباره الصانع والمحرك الأول للتغيير.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News