محمد مفتاح
على مدى العقود الماضية، سارت جل المجالس الجماعية المتعاقبة بأولاد تايمة (بإقليم تارودانت) على قاعدة شعارها غير المعلن: “الأولوية للأسمنت، والتأجيل للإنسان”.
حين تتجول في المدينة اليوم، تلمس بوضوح حجماً هائلاً من المجهودات المبذولة لتعزيز البنية التحتية الأساسية؛ إعادة الهيكلة، تعبيد الطرق، وصولاً إلى تجهيز المنطقة الصناعية. هذه أوراش حيوية لا يمكن إنكار أهميتها، لكن السؤال الحارق الذي يفرض نفسه هو: ما فائدة مدينة بشوارع فسيحة، إذا كانت عاجزة عن الاحتفاظ بأبنائها، لتتحول إلى نقطة طرد لشبابها نحو المجهول؟
هوس الخرسانة وحسابات العائد الانتخابي
إن المتأمل في البرامج التنموية للمجالس المتعاقبة يجد أن “العمران” ظل دائماً في صدارة الاهتمامات. والسبب في ذلك قد يبدو سياسياً بامتياز؛ فمشاريع البنية التحتية هي مشاريع “مرئية” تمنح المجالس صكّ الإنجاز السريع أمام الساكنة. وفي مقابل هذا الشغف بالخرسانة والأسمنت، ساد إهمال شبه تام، وعلى مر عقود، لورش “تأهيل الرأسمال البشري” بمعناه الشامل والعلمي؛ والذي لا يقف عند حدود تزيين الواجهات، بل يمتد إلى خلق بيئة اقتصادية تحتضن الكفاءات وتضمن استقرارها.
معاهد التكوين.. شواهد معطلة فوق رفوف البطالة
المفارقة الصارخة في أولاد تايمة لا تكمن في غياب مؤسسات التأهيل؛ فالمدينة تتوفر بالفعل على معهد للتكوين المهني ومعهد فلاحي يخرّجان سنوياً مئات الطاقات الشابة. لكن الصدمة الحقيقية تبدأ مباشرة بعد يوم التخرج؛ حيث يصطدم هؤلاء الشباب بجدار “انعدام فرص الشغل” محلياً. إن غياب استراتيجية حقيقية للمجالس المنتخبة لربط هذه المؤسسات التكوينية بالمحيط الاقتصادي، وجلب استثمارات حقيقية قادرة على امتصاص هذه البطالة، جعل شهادات هؤلاء الشباب مجرد “أوراق حبر على ورق”.
بين قوارب الهجرة وأرصفة “الفراشة”
أمام هذا الأفق الاقتصادي المسدود، يجد الشاب الهواري نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما حزم الحقائب ومغادرة مدينته مرغماً نحو مدن أخرى (أو ركوب قوارب الموت) بحثاً عن تحقيق أحلامه، وإما الاستسلام للأمر الواقع والارتماء في أحضان الاقتصاد غير المهيكل. وهنا تحول رصيف الشارع إلى الملاذ الوحيد والبديل “الإجباري” لشباب وخريجين وجدوا أنفسهم يمارسون تجارة الرصيف أو ما يُعرف بـ”الفراشة” لكسب قوت يومهم بشق الأنفس، بدل أن يكونوا قاطرة للتنمية داخل المعامل والضيعات العصرية.
نحو جيل جديد من التدبير المحلي
هذه المقاربة جعلت المدينة تعيش تنمية “عرجاء”؛ بنية تحتية تتقدم، وأفق اقتصادي يتراجع. إننا اليوم أمام لحظة مفصلية تفرض على المجلس الجماعي الحالي والفاعل التنموي التحول الشجاع من “سياسة الواجهات” إلى “الاستثمار في مستقبل الإنسان”، وذلك عبر:
• تحفيز مستثمري المنطقة الصناعية: وتسهيل مساطر استقرارهم لربط الخريجين مباشرة بسوق الشغل.
• تنظيم وإدماج “الفراشة”: عبر خلق أسواق نموذجية قريبة تضمن كرامتهم وتنتشلهم من العشوائية.
• صناديق دعم محلي: لمواكبة وتمويل مشاريع خريجي المعاهد الفلاحية والتقنية بالمدينة وتجنيبهم الهجرة.
لقد حان الوقت ليفهم مدبرو الشأن المحلي بأولاد تايمة أن مقياس النجاح لا يُقاس بعدد الكيلومترات المعبدة من الطرق، بل بقوة الاقتصاد المحلي على الاحتفاظ بأبنائه وتوفير العيش الكريم لهم. البنية التحتية تصنع فضاءً للعيش، لكن الرأسمال البشري المدمج اقتصادياً هو وحده من يصنع التنمية الحقيقية.























