كرم الضيافة على محك صناديق الاقتراع؛ أي حلول استباقية لمعضلة التشرد والهجرة؟
محمد مفتاح /اولاد تايمة
بين أزقة مدينة أولاد تايمة وشوارعها الحاضنة لخيرات سهل سوس، يتجلى تناقض صارخ يعيد مساءلة قيمنا المجتمعية وبرامجنا التدبيرية. لطالما تغنينا، كفخر وطني واعتزاز بالهوية، بأن المغرب بلد “الكرم والضيافة” (مرحبا)، وهي حقيقة يلمسها كل سائح أجنبي تُفتح له القلوب قبل الأبواب. لكن هذا الكرم لا يجب أن يظل “انتقائياً”؛ فالقيم الأصيلة تُوضع اليوم على محك الاختبار الحقيقي في شوارعنا، حيث يئن أبناء جلدتنا من المتشردين والمرضى النفسيين على الأرصفة دون مأوى أو رعاية، جنباً إلى جنب مع وفود مهاجري جنوب الصحراء الذين تقطعت بهم السبل بعد أن غدوا جزءاً من نسيجنا الاقتصادي والاجتماعي.
واليوم، ونحن على أعتاب محطة الانتخابات التشريعية والجماعية المقررة هذا العام (2026)، يتجاوز الأمر مجرد عتاب أخلاقي ليصبح سؤالاً سياسياً حارقاً يواجه النخب المحلية والوطنية، في وقت تُطبخ فيه البرامج التعاقدية داخل ردهات الأحزاب: أين هي الحلول الاستباقية في هذه البرامج لتطويق هذه المعضلة؟ هل ستمتلك الجرأة لابتكار بدائل تنموية وصحية حقيقية لفائدة هذه الفئات الهشة، أم ستظل شعارات “التضامن الاجتماعي” مجرد وعود عابرة تؤثث حملات التصويت وتنتهي صلاحيتها ليلة إعلان النتائج؟
“سياسة الترحيل القسري” ومسؤولية المجتمع.. حينما تنصل الإدارة من واجباتها
لا يمكن مقاربة معضلة التشرد والاضطرابات العقلية بشوارع أولاد تايمة بمعزل عن السياسات التدبيرية الخاطئة، وبعض “الحلول الترقيعية” التي تنهجها الإدارات العمومية في المدن المجاورة. فبدل إبداع حلول جذرية تضمن كرامة الإنسان، تلجأ بعض الحواضر الكبرى، خاصة تلك التي تعرف ازدهاراً سياحياً، إلى ما يشبه عملية “تطهير بصري” لساحاتها، عبر شحن الأشخاص في وضعية تشرد أو المصابين بأمراض نفسية وعقلية وتفريغهم قسراً في حواضر هامشية أو شبه قروية كمدينة أولاد تايمة.
إن هذه المقاربة الترقيعية لا تحل الأزمة، بل تنقل أعباءها السوسيو-أمنية والصحية إلى جماعة ترابية تعاني أصلاً من هشاشة بنيتها التحتية. وهنا تتداخل المسؤوليات بين الركائز الثلاث:
• مسؤولية السلطات والإدارات العمومية: إن كرامة “ابن جلدتنا” لا تتجزأ، وتنقيل المريض أو المتشرد قسراً هو تنصل صريح من المسؤولية الإنسانية والقانونية. التوجيه الصحيح يقتضي الكف فوراً عن هذه الحلول الظرفية، وتعويضها بـ بروتوكول وطني موحد للرعاية الاجتماعية والصحية. يجب التمييز هنا بين المتشرد (ضحية الهشاشة الاجتماعية الذي يحتاج إدماجاً) والمريض العقلي في الشارع (الذي يحتاج إيداعاً طبياً واستشفاءً إلزامياً عبر مراجعة وتفعيل قوانين الصحة العقلية)، بدل تحويل حواضر فلاحية كأولاد تايمة إلى مراكز استقبال مفتوحة وغير مهيأة.
• مسؤولية المجالس المنتخبة المحلية: أمام هذا التدفق المفروض، لا يمكن للمجالس الجماعية بأولاد تايمة أن تكتفي بموقع المتفرج أو التحجج بضعف الإمكانيات. إن التوجيه الأمثل يستوجب من نخب المدينة إرساء “خطط دفاعية واستباقية” عبر المرافعة المؤسساتية لوقف عمليات الإنزال العشوائي، وتفعيل خلايا اليقظة الاجتماعية لإدماج هذه الفئات في برامج الدعم ضمن ميزانيات التسيير والبرمجة القادمة.
• مسؤولية الأهالي والساكنة كمواطنين: إن مواجهة هذه المعضلة ليست شأناً إدارياً محضاً، بل هي اختبار حقيقي للمواطنة الحقة والوعي المجتمعي لأهالي أولاد تايمة. لا يمكن للمواطن أن يكتفي بالتذمر أو المطالبة بإبعاد هؤلاء المرضى والمتشردين من محيطه وكأنهم “أشياء” غير مرغوب فيها. إن الواجب يفرض على الساكنة تغيير النظرة النمطية والتعامل معهم كضحايا يحتاجون الرعاية، والكف عن الممارسات العشوائية (مثل تقديم الصدقات في الشوارع التي تشجع على استمرار الوضع)، وتعويضها بـ التكتل المدني والتبليغ الإيجابي عبر لجان الأحياء للضغط على المسؤولين لنقل الحالات الحرجة للعلاج، ودعم الجمعيات المحلية المتخصصة مادياً ومعنوياً.
العمالة المهاجرة بين مطرقة “الترحيل العشوائي” وسندان التهميش.. قنبلة موقوتة تهدد السلم الاجتماعي
لا تختلف المقاربة الترقيعية المعتمدة في تدبير ملف التشرد كثيراً عن تلك المتبعة مع وفود مهاجري دول إفريقيا جنوب الصحراء الوافدين على أولاد تايمة. فالمدينة أصبحت تستقبل، بدورها، عشرات المهاجرين الذين يتم تنقيلهم وإبعادهم بشكل عشوائي وممنهج من المدن الشمالية والساحلية للمملكة، ليجدوا أنفسهم فجأة وسط حاضرة هوارة. ورغم أن القطاع الفلاحي في سهل سوس استوعب قسماً كبيراً منهم كيد عاملة موسمية، إلا أن إغفال الجوانب الاجتماعية والإنسانية لهذا التدفق، والتعامل معه بمنطق “الإبعاد الجغرافي” فقط، بات ينذر بمخاطر حقيقية؛ لاسيما وأن هذا التوافد يتزامن مع ظروف اقتصادية دقيقة يعيشها سهل سوس جراء توالي سنوات الجفاف والإجهاد المائي التي أثرت بشكل مباشر على مردودية الضيعات وفرص الشغل المتاحة.
إن استمرار غياب التخطيط الاستباقي في هذا الملف يضع المدينة أمام ثلاثة أخطار رئيسية:
• بؤر السكن العشوائي وتفريخ الجريمة: أمام غياب قنوات كراء قانونية ومهيكلة، يضطر المهاجرون إلى التكدس في بيوت متهالكة بالهوامش أو بناء تجمعات عشوائية تفتقر لأدنى شروط العيش الآدمي. هذا العزل الاجتماعي يخلق بيئة خصبة لظهور شبكات إجرامية، وتنامي تجارة الممنوعات، والاصطدامات العنيفة المعزولة التي بدأت تقض مضجع الساكنة.
• الضغط على المنظومة الصحية والبيئية: تعيش هذه الفئات وضعية هشاشة صحية حادة، وغياب التغطية الطبية أو برامج التوعية الصحية يزيد من مخاطر انتشار الأمراض المعدية، مما يشكل عبئاً إضافياً على مستشفى القرب الهش بالمدينة، ويهدد السلامة الصحية العامة للمواطنين.
• تنامي النزعات العنصرية واهتزاز السلم المحلي: إن ترك الحبل على الغارب دون تقنين، يولد شعوراً بالقلق لدى الأهالي، وقد يتحول هذا القلق تدريجياً إلى سلوكات نفور أو تنميط عنصري يضرب في العمق قيم التسامح والتعايش التي ميزت المغاربة دائماً.
الخيار التوجيهي البديل للتدبير المحلي والوطني:
إن الحل لا يكمن في استمرار عمليات الشحن والترحيل الدائرية، بل في تبني استراتيجية إدماج واقعية وشجاعة تحول هذا التحدي إلى فرصة تنموية:
- تقنين العمالة والمصاحبة الإدارية: يجب على المجالس المنتخبة القادمة، بالتنسيق مع المشغلين الفلاحيين والسلطات المحلية، إحداث “مكتب توجيه محلي للأجانب” يُعنى بإحصاء الوافدين وتأطيرهم قانونياً، وضمان إدماجهم وفق عقود تضمن كرامتهم وتحمي أمن المدينة.
- برامج السكن المشترك اللائق: فرض رقابة صارمة على شروط إيواء العمال المهاجرين بالضيعات الفلاحية الكبرى، وحث المستثمرين على توفير مراقد تحترم المعايير الإنسانية، لمنع تشكل “غيتوهات” مغلقة خارج السيطرة الأمنية.
- الدور التوعوي للأهالي والمجتمع المدني: يتوجب على الساكنة المحلية والجمعيات استيعاب أن هؤلاء الوافدين هم جزء من العجلة الاقتصادية للمدينة. التوجيه السليم يقتضي احتواءهم جمعوياً وثقافياً ورياضياً لقطع الطريق على شبكات التطرف والانحراف، فالأمن الحقيقي يبدأ من الإدماج وليس من الإقصاء.
نحو بروتوكول وطني مستدام.. ما وراء فوضى “مراكز الإيواء” وأهمية الهندسة الاجتماعية الاستباقية
إن مجابهة معضلتي التشرد العابر للمدن والتدفق العشوائي للمهاجرين بأولاد تايمة، لا يمكن أن تظل حبيسة مبادرات محلية معزولة أو قرارات إدارية ارتجالية. إن الحاجة ماسة اليوم إلى بناء بروتوكول وطني موحد ومستدام ينطلق من المركز (الرباط)، وتتفرع عنه مساطر تنفيذية دقيقة على المستويين الجهوي والمحلي، تسهر الجماعات الترابية على تنزيلها وفقاً لخصوصياتها المجالية.
وفي هذا السياق التوجيهي، يجب الجهر بحقيقة علمية وتاريخية أثبتت الأيام صحتها: إن تجربة “مراكز الإيواء التقليدية” قد أعلنت إفلاسها التام، ليس فقط في المغرب، بل في مختلف دول العالم. هذه المراكز لا تقدم حلاً جذرياً، بل تضع الشخص المتشرد أو المهاجر في “حالة كمون اجتماعي مؤقت” ومحدود المدة؛ حيث يتلقى وجبة وسريراً لبضعة أيام أو أسابيع، ليعود بعدها مباشرة إلى نقطة الصفر في الشارع العام وبشكل أكثر حدة. إن الإيواء الظرفي هو مجرد آلية ترقيعية ومسكن مؤقت يخفي العَرَض ولا يعالج المرض.
ولأجل صياغة بديل تنموي حقيقي يحترم كرم المغرب الأصيل ويصون خصوصياته، تتحدد معالم المقاربة الاستباقية المطلوبة في النقاط التالية:
• الدعوة إلى مناظرة وطنية مستعجلة: إن المرحلة السياسية والاجتماعية الراهنة تقتضي تنظيم مناظرة وطنية كبرى تجمع أصحاب القرار السياسي، وممثلي وزارة الداخلية، والصحة، والتضامن، إلى جانب نخبة من خبراء علم الاجتماع، والطب النفسي، والاقتصاد الاجتماعي. الهدف هو تفصيل خطة وطنية شاملة تخرج من عباءة “العمل الإحساني والموسمي” نحو “الهندسة الاجتماعية والادماجية الحقيقية” التي تدرس مسببات الظاهرة وتضع لها حلولاً علاجية مستدامة.
• بروتوكول وطني ومساطر جهوية ومحلية ميزانياتية: يجب أن يترجم هذا البروتوكول إلى مذكرات تنظيمية تمنح الجماعات الترابية (كمجلس أولاد تايمة) الصلاحية القانونية والموارد المالية لإحداث “مكاتب التوجيه والادماج السوسيو-اقتصادي”. هذه المكاتب لا تئوي، بل تتبع مساطر دقيقة لفرز الحالات: توجيه المرضى النفسيين نحو المستشفيات الإقليمية بشكل دائم، إعادة دمج المغاربة في أسرهم أو في سوق الشغل عبر التكوين، وتقنين الوضعية التعاقدية للمهاجرين مع الضيعات الفلاحية.
• المسؤولية المشتركة في التنزيل:
o المركز: يشرّع، يمول، ويراقب عبر إستراتيجية وطنية منبثقة عن خبراء السوسيولوجيا.
o الجماعات الترابية: تبرمج هذه المساطر الإدماجية في مخططات عملها الجماعي وتجعلها شرطاً للمحاسبة الانتخابية.
o الأهالي والفعاليات المحلية: ينخرطون كشركاء في احتضان المشاريع التنموية والمهنية البديلة التي تدمج هؤلاء الأفراد في الدورة الاقتصادية المحلية، بدل النفور منهم.
محك الصناديق.. نحو يقظة مجتمعية وسياسية شاملة
في المحصلة، إن معضلتي التشرد العابر للمدن والتدفق العشوائي لمهاجري جنوب الصحراء بأولاد تايمة لم تعد مجرد “مشاهد غير مألوفة” تؤثث الشارع العام، بل تحولت إلى مرآة حقيقية تعكس مدى هشاشة مقارباتنا الاجتماعية، وتنبهنا إلى خطورة الاستمرار في نهج سياسات النعامة والحلول الترقيعية. إن الكرم المغربي الأصيل، الذي نفاخر به العالم، يجب أن يتوقف عن كونه شعاراً سياحياً براقاً، ليتحول إلى إرادة سياسية ومواطنة حقة تحتضن المستضعفين وتوفر لهم سبل الدمج والكرامة الفعلية بدل عزلهم أو ترحيلهم الدائري الفاشل.
والآن، ونحن نعيش أجواء الحراك السياسي المؤدي لـ صناديق الاقتراع، نوجّه نداءً حاسماً ومزدوجاً:
• إلى الأحزاب والمترشحين: إن قياس كفاءتكم السياسية لم يعد مرتبطاً بوعود معبدة أو شعارات إنشائية عابرة، بل بمدى قدرتكم على تبني حلول استباقية علمية تشترط إدماج بروتوكول وطني ومساطر محلية للإدماج السوسيو-اقتصادي في برامجكم التعاقدية. الشارع الهواري لم يعد يقبل بمسكنات “مراكز الإيواء” المفلسة، بل يطالب بهندسة اجتماعية حقيقية وبمناظرة وطنية تجمع الخبراء لرسم معالم مغرب التضامن المستدام.
• إلى الأهالي والناخبين بأولاد تايمة: إن صوتكم الانتخابي هو سلاحكم الدستوري الأقوى للمحاسبة والتغيير. اجعلوا من ملف الأمن الاجتماعي، والرعاية الصحية والنفسية للمتشردين، وتقنين عمالة المهاجرين، معياركم الأساسي لمنح الثقة والتفويض.
إن حماية هوية أولاد تايمة وتحصين سلمها الاجتماعي رهين بمدى وعينا الجماعي بأن استقرار الحاضرة يبدأ من صون كرامة أضعف حلقاتها. فهل ستلتقط النخب السياسية القادمة الإشارة، أم ستظل صناديق الاقتراع في وادٍ، وتطلعات الشارع الهواري في وادٍ آخر؟























