صدمة الصناديق: هل تعكس أرقام الانتخابات أزمة سياسية أم تفتح الباب لـ “حالة الاستثناء”؟

kapressدقيقة واحدة agoLast Update :
صدمة الصناديق: هل تعكس أرقام الانتخابات أزمة سياسية أم تفتح الباب لـ “حالة الاستثناء”؟

محمد مفتاح

صدمة الأرقام وأزمة الثقة
لم تكن نسبة المشاركة البالغة 38.02% في الانتخابات التشريعية الأخيرة مجرد رقم عابر في سجلات وزارة الداخلية، بل شكلت صدمة سياسية حقيقية أعادت رسم ملامح المشهد العام في المغرب. فبينما يرى الفاعل الرسمي والمؤسساتي أن العملية الديمقراطية سارت في مجراها الطبيعي وأفرزت شرعية دستورية للصناديق، يقرأ الكثيرون في عزوف أزيد من 60% من الكتلة الناخبة رسالة شعبية حاسمة تترجم أزمة ثقة عميقة تجاه النخب والأحزاب السياسية الحالية، ورفضاً مبطناً للأغلبية المقبلة. هذا الشرخ المتزايد بين الشارع والمؤسسات يضع البلاد أمام مفترق طرق حرج، ويدفعنا لمواجهة سؤال دستوري وسياسي شائك: هل يمكن لاعتكاف الأغلبية الصامتة عن التصويت أن يشكل شللاً مؤسساتياً يبرر التفكير في مقتضيات “حالة الاستثناء”، أم أن ديمقراطية الصناديق تظل محكومة بقوانينها الصارمة بغض النظر عن حجم المقاطعة؟
المنطوق الدستوري: حدود حالة الاستثناء في النص القانوني
ومن الناحية القانونية الصرفة، يحيلنا هذا التساؤل مباشرة على المقتضيات الصارمة لـ الفصل 59 من دستور المملكة لعام 2011، والذي ينظم شروط وإجراءات إعلان حالة الاستثناء. فالمنطوق الدستوري لا يترك مجالاً للتأويلات السياسية العاطفية، إذ يربط تفعيل هذه السلطات الاستثنائية بوجود خطرين داهمين لا ثالث لهما: إما أن تكون حوزة التراب الوطني مهددة بشكل مباشر، أو أن تقع أحداث من شأنها عرقلة السير العادي للمؤسسات الدستورية. وبتنزيل هذا النص على الواقع الانتخابي الحالي، يتبين أن انخفاض نسبة المشاركة لا تتوفر فيه هذه الشروط المادية؛ فالعملية الانتخابية فرزت نتائجها وتستمر المؤسسات في أداء مهامها بشكل طبيعي، كما أن القوانين المغربية لا تضع عتبة دنيا لشرعية الاقتراع. بالتالي، فإن حالة الاستثناء تظل من الناحية الدستورية أداة لحماية الدولة من الشلل الهيكلي أو الخطر الخارجي، وليست آلية لمعالجة الأزمات السياسية المرتبطة بنسب العزوف أو درجات الثقة الشعبية.
الرسالة السياسية: “أغلبية عديمة الصلاحية” أمام معارضة شعبية
وإذا كان المنطوق القانوني يمنح الشرعية الأكاديمية والمؤسساتية للصناديق، فإن القراءة السياسية لنسبة 38.02% تحيلنا على حقيقة ميدانية لا يمكن حجبها بغربال المساطر؛ فالأغلبية الصامتة التي قاطعت الاقتراع (والتي تتجاوز 61%) بعثت برسالة سياسية حاسمة مفادها الرفض التام للأحزاب الحالية شكلاً ومضموناً. إن هذا العزوف الكاسح يجرّد النخب من “الشرعية الأخلاقية” ويؤكد وجود فجوة سحيقة وأزمة ثقة مستعصية، مما يجعل من التحالفات التي تسمي نفسها اليوم “أغلبية حكومية” مجرد “أقلية عددية” مقارنة بحجم المعارضة الشعبية غير الممثلة في البرلمان. وأمام هذا الواقع المأزوم، لم يعد مقبولاً من الهيئات السياسية الاستمرار في منطق “اقتسام الغنائم الانتخابية”، بل يتوجب عليها التقاط الإشارة الحارقة وامتلاك الشجاعة السياسية لـ “وضع المفاتيح” (تحط السوارت) والاعتراف بالعجز، كخطوة أولى لفتح المجال أمام جيل جديد من الإصلاحات والنخب القادرة على مصالحة المغاربة مع الشأن العام، وإلا فإن الاستمرار في تسيير مؤسسات بأصوات باهتة سيعمق فقط من عزلة هذه الأحزاب ويهدد التماسك الاجتماعي للبلاد.
*صوت الشباب: بين اغتراب النخب وجدران المقاطعة الرقمية*
وفي قلب هذه المعارضة الشعبية الصامتة، تقف فئة الشباب المغربي كأكبر كتلة ديمغرافية وسياسية عبّرت بوضوح عن قطيعتها الوجدانية والعملية مع المنظومة الحزبية الحالية. فالشباب، الذين يشكلون عصب التغيير ومستقبل البلاد، لم يعودوا يرون في المقرات الحزبية الضيقة أو الخطابات السياسية الكلاسيكية فضاءً يستوعب طموحاتهم، أو يملك حلولاً واقعية لمعضلاتهم المزمنة كالبطالة، وتكافؤ الفرص، وتدهور جودة التعليم. لقد تحوّل العزوف الشبابي في هذه المحطة الانتخابية من مجرد “لا مبالاة” عابرة إلى موقف سياسي واعٍ وممنهج؛ حيث نقل الشباب نقاشاتهم، ومطالبهم، وحتى آليات محاسبتهم للنخب إلى منصات التواصل الرقمي والمجتمعات الافتراضية، تاركين صناديق الاقتراع خاوية من دفقهم الحيوي. إن هذا الانسحاب الجماعي للجيل الجديد لا يعكس فقط رفضاً للمخرجات الانتخابية، بل يمثل إنذاراً حقيقياً بأن المنظومة الحزبية الحالية باتت تعاني من شيخوخة فكرية وهيكلية، تجعلها عاجزة تماماً عن التحدث بلغة العصر أو استيعاب نبض الأجيال الصاعدة التي اختارت التعبير عن ذاتها خارج “اللعبة التقليدية”.
ديمقراطية بلا تمثيلية حقيقية
في المحصلة، تُثبت أرقام الانتخابات الأخيرة أن الأحزاب السياسية الحالية قد فقدت بالكامل بوصلتها نحو الشارع المغربي، ولم تعد تعبر عن تطلعاته أو همومه اليومية. إن استمرار هذه الهيئات في إدارة المشهد بـ “شرعية قانونية هشة” بعيداً عن “الشرعية الشعبية الحقيقية”، لن يعمل إلا على توسيع الفجوة بين المواطن والدولة. لقد دقت ساعة الحقيقة، وبات من الواضح أن الأزمة لم تعد أزمة أرقام ونسب مشاركة، بل هي أزمة بنيوية عميقة تتطلب مراجعة جذرية للمشهد الحزبي بأكمله؛ فالديمقراطية لا تستقيم بمؤسسات تسكنها الكراسي، بينما يهجرها الشعب.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News