حزب العدالة والتنمية والصعود لشجرة المعارضة: انتقام من بلوكاج 2016 أم مناورة لتموقع وازن في الأغلبية؟

kapress9 دقائق agoLast Update :
حزب العدالة والتنمية والصعود لشجرة المعارضة: انتقام من بلوكاج 2016 أم مناورة لتموقع وازن في الأغلبية؟

بقلم :محمد مفتاح
لم يكن إعلان المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية الاصطفاف الفوري في خندق المعارضة مجرد رد فعل انتخابي عابر، بل خطوة أولى في شطرنج سياسي معقد يتجاوز لغة الأرقام البرلمانية الجافة. فرغم أن نتائج صناديق الاقتراع تمنح أحزاب الصدارة أغلبية مريحة، إلا أن سياق الاحتمالات المفتوحة وتصاعد التململ الاجتماعي يفرضان معادلة مغايرة؛ معادلة تضع موقف ‘البيجيدي’ المتسرع بين قراءتين: هل هو ثأر سياسي متأخر لإرث تحالفات مضت، أم أنه استباق تكتيكي مدروس لفرض ذاته كحاجة استراتيجية لا غنى عنها لضمان استقرار المرحلة المقبلة؟”قرار الاصطفاف في المعارضة.. تسرّع تكتيكي أم قطيعة مع إرث “الابتزاز؟.


قرار الاصطفاف في المعارضة.. تسرّع تكتيكي أم قطيعة مع إرث “الابتزاز”؟
لم يكد الحبر الذي كُتبت به نتائج انتخابات 2026 يجف، وقبل أن تبدأ المشاورات الرسمية لتتشكل الحكومة، حتى سارع المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية إلى حسم موقفه بالإجماع: “نحن في المعارضة”. هذا الإعلان الذي بدا متسرعاً وخارجاً عن الأعراف السياسية التقليدية — حيث تولد المواقف عادة بعد جولات المفاوضات لا قبلها — يحمل في عمقه أبعاداً استراتيجية ونفسية حاسمة ترتبط بالهوية السياسية للحزب.
إن هذا الاستباق السريع يُقرأ، أولاً وقبل كل شيء، كـ محاولة جادة لرد الاعتبار وتصفية الحساب مع الماضي القريب. فالحزب الذي عانى من مرارة “بلوكاج 2016” والتحالفات الهجينة المفروضة عليه سابقاً، أراد بقيادة عبد الإله بنكيران أن يبعث برسالة مشفرة وقوية لمراكز القرار والفرقاء السياسيين مفادها أن “البيجيدي” استعاد سيادته الكاملة على قراره الحزبي.
ومن جهة أخرى، يهدف هذا القرار الحاسم إلى تحصين الوهج الانتخابي الجديد (54 مقعداً) وحمايته من التآكل المبكر. فالحزب يدرك أن الدخول في دهاليز المشاورات مع خصوم الأمس قد يظهره بمظهر “اللاهث وراء المناصب”، وهو ما يتناقض مع الوعود التي قطعها لقواعده. لذلك، جاء القرار ليقطع الطريق فوراً أمام أي محاولات للالتفاف على نتائجه أو إدخاله في مفاوضات قد تضعه في موقف ضعف، مفضلاً التموقع المبكر في خندق الرقابة كخيار مبدئي يرفض منطق المساومة.


أزمة “النسخة المكررة”.. لماذا تفرض لغة الشارع إطاحة حزب الأحرار وحتمية إشراك “البيجيدي”؟
لا يمكن فصل التفاعلات الجارية حول تشكيل الحكومة الجديدة عن السياق الشعبي والمؤشرات الرقمية الصادمة التي أفرزتها صناديق الاقتراع، وعلى رأسها تدني نسب المشاركة الانتخابية إلى مستويات مقلقة. إن هذا العزوف الشعبي لم يكن مجرد أرقام جافة، بل هو بمثابة “تنبيه سياسي” يعكس حجم الفجوة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، وتعبير صامت عن عدم الرضا تجاه الأداء التدبيري للمرحلة السابقة التي قادها حزب التجمع الوطني للأحرار.
في ظل هذا المشهد المحتقن، تبرز ضرورة استراتيجية تفرض كسر النسخة الحكومية المكررة؛ إذ يرى العديد من المراقبين أن إعادة إنتاج نفس التحالف الثلاثي السابق (الأحرار، البام، والاستقلال) قد تعمق أزمة الثقة وتدفع بالشارع نحو مزيد من السخط والاحتقان. ومن هنا، تصبح عملية إطاحة حزب الأحرار من قيادة الأغلبية خطوة لا غنى عنها لإرسال إشارات إيجابية للرأي العام بأن هناك “قطيعة سياسية” حقيقية مع مرحلة التضخم والغلاء. إن إبعاد الحزب الذي تصدر المرحلة الماضية وتحميله المسؤولية السياسية عن الإخفاقات الاجتماعية، يبدو مخرجاً ضرورياً لتجنيب المشهد الحكومي الجديد عبء الاستمرارية، وفتح الباب أمام هندسة جديدة تقودها وجوه قادرة على إعادة التوازن المفقود بين الدولة والشارع.
ومن هنا، لا تقف حدود هذه الهندسة الجديدة عند الرغبة في معاقبة التحالف السابق فحسب، بل تتعداها إلى حتمية إشراك حزب العدالة والتنمية في الطاقم الحكومي القادم. وتفرض هذه المشاركة نفسها كضرورة ملحة من زاويتين؛ الأولى تكتيكية تهدف إلى كبح جماح تمدده الشعبي؛ إذ يدرك صناع القرار أن ترك حزب منظم يمتلك كاريزما خطابية قوية في دكة المعارضة بعد حصده لـ54 مقعداً، سيمهد الطريق أمام اكتساح انتخابي كاسح في المحطات المقبلة مستغلاً الأزمات الاقتصادية. أما الزاوية الثانية وهي الأهم، فتتجلى في كون “البيجيدي” هو الحزب الوحيد المؤهل لضمان الاستقرار السياسي في هذه الظرفية الحساسة؛ نظراً لعقيدته الراسخة في الدفاع عن مؤسسات الدولة وولائه للملكية، مما يجعله الشريك الأنسب لإعطاء الحكومة الجديدة مشروعية شعبية متجددة وقدرة على قيادة المرحلة بسلام.


إمكانيات “البيجيدي” في الهندسة المقبلة.. أي أدوار في مربع الحكم؟
إذا ما فرضت الضرورات الاستراتيجية تراجع حزب العدالة والتنمية عن قرار “الاصطفاف في المعارضة” والقبول بدخول المعترك الحكومي، فإن طبيعة مشاركته لن تكون كلاسيكية أو هامشية. إن الإمكانيات المتاحة للحزب محكومة برغبته في الحفاظ على ما تبقى من رصيده الشعبي من جهة، وحاجة الدولة إلى أدوار وظيفية محددة يتقنها الحزب جيداً من جهة أخرى.
وفي مقدمة هذه الخيارات المتاحة، يبرز منصب رئاسة مجلس النواب كإمكانية سياسية بالغة الأهمية؛ حيث يمنح هذا الموقع الدستوري الوازن الحزب منصة رسمية لضبط الإيقاع التشريعي، واللعب بذكاء على حبل “المعارضة من داخل الأغلبية”. هذا التموقع الاستراتيجي يتيح لنواب الحزب الحفاظ على نبرتهم النقدية والاجتماعية تجاه الاختلالات الحكومية، مما يضمن استمرارية تطوره الشعبي وعدم ذوبانه في التدبير التنفيذي.
أما على مستوى الحقائب الوزارية، فإن الإمكانيات تتجه نحو قطاعات ذات صبغة اجتماعية وتواصلية مباشرة، مثل وزارات التشغيل، التعليم، أو الحكامة والتنمية الاجتماعية. ومن خلال هذه الحقائب، تتبلور الأدوار الحقيقية للعدالة والتنمية في المرحلة المقبلة: أولها لعب دور “صمام الأمان والمفسر الأول” للقرارات الاقتصادية الصعبة أمام الشارع وامتصاص غضب فئات “جيل زد” عبر لغة تواصلية مقنعة وكاريزمية. وثانيها، تقديم خط دفاع صلب عن استقرار المؤسسات الوطنية، مستفيداً من مرجعيته وثقة القواعد الحزبية فيه، ليتحول الحزب من موقع المقاطع للمشاورات إلى المهندس الحقيقي للتوازن والاستقرار الاستراتيجي داخل الأغلبية الجديدة.


في انتظار كلمة الفصل.. هل تنتصر الواقعية السياسية؟
في نهاية المطاف، يظل الصمت المطبق والمحيط بهوية رئيس الحكومة المعين هو السيد الحقيقي للموقف، والترمومتر الذي يقيس بدقة درجة طبخ هذه التوازنات الجديدة خلف الكواليس. وإذا كان حزب العدالة والتنمية قد سارع إلى صعود شجرة المعارضة عبر إعلان مجلسه الوطني الأخير، فإن منطق “الواقعية السياسية” وإكراهات المرحلة الحرجة يرجحان فرضية نزوله منها، متى ما وُضعت على الطاولة العروض التي تليق بحجم عودته وصيانة كرامته الحزبية. إن حاجة الدولة الملحة لاستعادة الاستقرار الاجتماعي، ورغبتها في احتواء أي تململ شعبي تقوده الأجيال الجديدة، قد تجعل من إشراك “البيجيدي” بامتيازات وازنة كرئاسة البرلمان، مخرجاً لا غنى عنه. وحدهم القادمون من الأيام، وتفاصيل البلاغات الرسمية المرتقبة، سيكشفون ما إذا كنا سنشهد حكومة إنقاذ وتوازنات وطنية كبرى، أم أن المشهد سيندفع نحو سيناريوهات أخرى مفتوحة على كل الاحتمالات.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News