بالجلابة والشعر المجموع.. المنصوري تقود تفاوض تشكيل الحكومة

kapress18 دقيقة agoLast Update :
بالجلابة والشعر المجموع.. المنصوري تقود تفاوض تشكيل الحكومة

بقلم : محمد مفتاح
خلف هذا المشهد البصري الدقيق المليء بالرسائل السيميائية، يختبئ واحدٌ من أكبر المنعطفات السياسية في التاريخ المغربي الحديث؛ فالمرأة لم تعد تكتفي بمقاعد “المناصفة” أو الحقائب الوزارية القطاعية، بل باتت هي من تدير دفة الحكم وتملك سلطة “خياطة” الأغلبية الحكومية. هذا التعيين التاريخي يضع فاطمة الزهراء المنصوري كأول امرأة مغربية، وثاني امرأة في العالم العربي تُكلف برئاسة جهاز تنفيذي، بعد التونسية نجلاء بودن التي دشنت المسار عام 2021 في سياق انتقالي استثنائي انتهى عام 2023. وعكس تجربة تونس الاستثنائية، فإن المعينة اليوم تستمد قوتها من ائتلاف برلماني مبني على شرعية الصناديق والدستور؛ لتثبت التجربة—رغم أنها لا تزال في خطواتها الأولى—أن إسناد رئاسة الوزراء للمرأة لم يعد مجرد خطوة رمزية لتجميل المشهد، بل رهاناً حقيقياً على مهارات القيادة وتدبير الأزمات. ومع ذلك، فإن هذه الشرعية الدستورية القوية لا تعفي رئيسة الحكومة الجديدة، المحاطة بالتزامات حزبها “الأصالة والمعاصرة” وبصرامة المشهد البصري، من النزول فوراً إلى أرض الواقع السياسي؛ حيث دخلت مباشرة حقل التفاوض الملغوم، في خطوة استباقية ذكية نحو الخصوم، وتوازنات صعبة مع الحلفاء، فهل تسعفها الحنكة السياسية وعمق الهوية المخزنية في فرض شروطها وإنجاح هذا المنعطف التاريخي؟


سيميائية الصورة.. رسائل صامتة بـ”الهوية والمخزنية”
إن قراءة “سيميائية الصورة” الرسمية لتعيين فاطمة الزهراء المنصوري من قِبل الملك محمد السادس في 29 سبتمبر 2026، تحمل رسائل سياسية وبروتوكولية بالغة الدقة؛ فالإطلالة في مثل هذه المناسبات داخل القصر الملكي لا تخضع للصدفة أبداً، بل هي لغة بصرية مدروسة بعناية فائقة لتخاطب الداخل والخارج. ويمكن تفكيك رموز هذه الإطلالة الثلاثية (الجلباب، الشعر، واللون) عبر الدلالات التالية:


• أصالة الجلباب في حضرة “المعاصرة”:
عُرفت المنصوري دائماً بأسلوب لباسها العصري والعملي، وبذلاتها الرسمية الحادة في ردهات المحاكم ومدرجات الحزب والوزارة. غير أن اختيارها للجلباب المغربي الأصيل في هذه اللحظة التاريخية يمثل بياناً سياسياً صامتاً يعكس امتثالاً مطلقاً لأعراف الدولة الحاضنة؛ فالجلباب هنا ليس مجرد قماش، بل هو إعلان عن احترام البروتوكول المرعي داخل البلاط وتأكيد على التماهي مع التقاليد المخزنية العريقة. وبذكاء شديد، جسّد هذا المظهر الهوية العميقة لحزبها “الأصالة والمعاصرة”؛ حيث ميز الجلباب شق “الأصالة” وتجذر الموروث، بينما مثلت خلفية المنصوري الثقافية والحداثية شق “المعاصرة”، ليقدم المشهد نسيجاً متوازناً تراهن عليه الدولة في هندسة نخبها.


• الشعر المجموع.. صرامة “رجل الدولة”:
خلف تصفيفة الشعر المجموع والمنظم التي اعتمدتها المنصوري—متخلية عن مظهر شعرها المسترسل والحر—تكمن رسالة هيبة وجدية فائقة. هذا التغيير البصري أزاح أي مظهر من مظاهر التحرر العصري الزائد لصالح “وقار دستوري” صارم. لقد أرادت الصورة تقديم رئيسة الحكومة الجديدة في لبوس “رجل الدولة” (بصيغته النسائية)؛ قيادة مستعدة للملفات الثقيلة، وملتزمة بأعلى درجات الرصانة والمحافَظة التي تفرضها هيبة قاعة العرش، وبعيدة كل البعد عن البهرجة السياسوية الضيقة.


• تقارب الألوان.. هارموني التوجهات الاستراتيجية:
لم يكن اختيار درجة الأزرق الفاتح (السماوي) لجلباب المنصوري بعيداً عن الطيف اللوني لجلباب جلالة الملك؛ هذا التقارب البصري يبعث برمزية “الهدوء والثقة” في مرحلة انتقالية غير مسبوقة. إنه يعطي انطباعاً فورياً بالتناغم السياسي والانسجام الفكري التام مع المؤسسة الملكية، والتأكيد على أن الحكومة الجديدة لن تصنع خطوطاً متباعدة مع التوجهات الملكية، بل تتحرك في نفس الموجة الاستراتيجية. هذا التماهي يعيد التذكير بشرعية القرب والامتداد الحداثي للحزب للتنسيق في كبرى الملفات الوطنية مثل مدونة الأسرة والترتيبات التاريخية لمونديال 2030.
إن هذه القراءة البصرية تؤكد في خطوطها العريضة أن رئيسة الحكومة الجديدة دخلت القصر بـ”أصالة” المظهر المخزني المغربي لتنال ثقة الرمزية الدينية والسياسية للمملكة، وتخرج منه بـ”معاصرة” التكليف الدستوري كأول امرأة تقود الجهاز التنفيذي في تاريخ البلاد.


من سيمياء المظهر إلى صرامة الدستور.. قراءة في أبعاد التعيين الملكي
لم تكن تفاصيل المشهد البصري في قاعة العرش منفصلة عن التعقيدات الحسابية والسياسية التي أفرزتها صناديق الاقتراع في 23 سبتمبر؛ بل جاء التعيين الملكي لـ”فاطمة الزهراء المنصوري” تتويجاً لمنطق دستوري صارم وتوازنات حزبية مدروسة بعناية. وإذا كانت “الجلابة المخزنية” قد منحت اللحظة غطاءها التقليدي، فإن الدستور المغربي قد منحها مشروعيتها الديمقراطية الكاملة.
وتتجلى القراءة السياسية لهذا التعيين من خلال بُعدين رئيسيين:
• انتصار المنهجية الديمقراطية (الفصل 47):
جاء التعيين الملكي تفعيلاً دقيقاً وحرفياً لمنطوق الفصل 47 من الدستور، والذي يلزم الملك بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب. فبتصدر حزب “الأصالة والمعاصرة” بـ 97 مقعداً، احترمت المؤسسة الملكية الإرادة الشعبية بالكامل، مما يقطع الطريق أمام أي تأويلات خارج السياق الديمقراطي. هذا المعطى يؤكد أن وصول أول امرأة لرئاسة الحكومة بالمغرب نُحت بصناديق الاقتراع والشرعية الحزبية، لا بالتعيين التكنوقراطي الاستثنائي كما حدث في تجارب عربية أخرى، مما يمنح المنصوري سلطة تنفيذية قوية ومسنودة شعبياً ودستورياً.


• جدوى “الهندسة الحزبية” والتحاق لقجع:
هذا التعيين يمنحنا كذلك قراءة رجعية لـ”الزلزال التنظيمي” الذي شهده الحزب في يوليو الماضي عندما انضم فوزي لقجع لصفوف الأمانة العامة. يتضح اليوم أن لقجع لم يأتِ ليزاحم المنصوري على كرسي الرئاسة، بل كان “الرافعة الاستراتيجية” والبروفايل التكنوقراطي الناجح الذي منح الحزب القوة الدافعة لتصدر الانتخابات وحسم المقاعد الـ 97، فالمنصوري تقود المشهد السياسي برصانتها المعهودة، بينما يتحرك لقجع خلفها كـ”مهندس مالي وتنفيذي” يضمن ثقة الفاعلين الاقتصاديين في حكومة مقبلة على تحديات ثقيلة بحجم مونديال 2030 وبناء الدولة الاجتماعية.


تكتيك “الخطوة الاستباقية”.. فلسفة الانفتاح على المعارضة المبكرة
الرسالة البليغة والأكثر إثارة للجدل التي بعثتها رئيسة الحكومة المعينة فور خروجها من القصر الملكي، لم تكن في كيفية تجميع المقاعد لتأمين الأغلبية، بل تمثلت في السرعة القياسية التي فتحت بها باب المشاورات مع حزب “العدالة والتنمية” (البيجيدي). وتكمن المفارقة السياسية هنا في أن هذا الحزب كان قد حسم أمره، وأعلن بشكل قطعي اصطفافه في خندق المعارضة حتى قبل صدور التعيين الملكي للمنصوري.
هذه المسارعة اللافتة لا تعكس رغبة في استجداء مقاعد حكومية غير ضرورية في ظل تعدد الإمكانيات المتاحة أمام المنصوري، بل تحمل أبعاداً تكتيكية بالغة الذكاء:
• سحب مظلومية الإقصاء وإحراج الخصوم:
بمبادرتها الفورية لاستقبل قادة “البيجيدي”، وجهت المنصوري ضربة سياسية ناعمة ومبكرة لخطاب المقاطعة والمعارضة الشرسة. لقد أرادت أن تقول للرأي العام إن “الحكومة الجديدة منفتحة، ديمقراطية، ولا تقصي أحداً”، ملقيةً بكرة المسؤولية كاملة في مرمى الحزب الحركي؛ فإذا اختار العزلة، فذلك خياره الطوعي وليس بسبب إقصاء رسمي، وهو ما يسحب مبكراً ورقة “المظلومية السياسية” التي يتقن الخصوم اللعب بها.
• تأمين “السلم الاجتماعي” وتدجين الخطاب الراديكالي:
تعلم المنصوري، وهي تتأهب لقيادة مرحلة اقتصادية واجتماعية مثقلة بالتحديات والانتظارات الشعبية، أن حزب العدالة والتنمية يمتلك آلة خطابية وتواصلية قوية قادرة على تهييج الشارع وانتقاد القرارات الحكومية بشعبوية مؤثرة. لذا، فإن الجلوس معهم كخطوة أولى هو محاولة لـ”ربط قنوات التواصل وتلطيف الأجواء”، سعياً لضمان معارضة مؤسساتية عقلانية تحت قبة البرلمان، بدلاً من معارضة راديكالية تصطاد أخطاء الحكومة في أزقة المجتمع.
• ورقة ضغط ناعمة في مفاوضات الحقائب:
من الناحية التكتيكية في عالم صناعة الحكومات، فإن الانفتاح الفوري على الجميع—حتى أولئك الذين تموقعوا في المعارضة—يمنح رئيسة الحكومة سلطة معنوية قوية أمام حلفائها التقليديين. إنها تبعث بإشارة غير مباشرة لشركائها المفترضين بأنها تمسك بزمام المبادرة وبأن خيارات التواصل لديها مرنة ومفتوحة على كافة الأطياف، مما يعزز موقفها التفاوضى عند الانتقال إلى مرحلة “توزيع الحقائب والقطاعات الوزارية” دون الخضوع لشروط إملائية من أي طرف.
لقد برهنت المنصوري من خلال هذه الخطوة الاستباقية أنها لا تقود المشاورات بمنطق الصراعات الإيديولوجية الضيقة التي طبعت علاقة حزبها تاريخياً بالإسلاميين، بل بمنطق “برغاماتية الدولة” التي تفرض تدبير جبهة المعارضة بنفس القدر من الأهمية المخصص لبناء حزام الأغلبية.


في مرآة الشارع.. الرهان الحقيقي يبدأ الآن
في نهاية المطاف، لن تُقاس حكومة فاطمة الزهراء المنصوري بجمالية صورتها البصرية في قاعة العرش، ولا ببراعة تكتيكاتها الاستباقية في صالونات المشاورات الحزبية؛ بل سيكون المحك الحقيقي والوحيد هو مدى قدرتها على الاستجابة لانتظارات المواطن المغربي البسيط المعلق بين مطرقة الغلاء وسندان البطالة.
وعلى رئيسة الحكومة الجديدة، وهي تضع اللمسات الأخيرة على فريقها التنفيذي، أن تتذكر جيداً رقماً ديمقراطياً بالغ الدلالة: إن نسبة 61% من المغاربة الذين قاطعوا صناديق الاقتراع في 23 شتنبر لم يختاروها، ولم يمنحوا تزكيتهم لأي هيئة سياسية. هذه “الأغلبية الصامتة” التي فقدت الأمل في البرامج والوعود الانتخابية، تمثل التحدي الأكبر والأخطر أمام المنصوري؛ إذ لم يعد مطلوباً منها فقط إدارة الملفات والميزانيات الثقيلة المرتبطة بمشاريع كأس العالم 2030، بل إن مهمتها الأسمى تتجلى في إعادة الثقة المفقودة في المؤسسات الحزبية والحكومية.
إن النجاح الحقيقي للمنصوري كأول امرأة مغربية تقود السلطة التنفيذية لن يُكتب بدخولها التاريخ كـ”رقم ثانٍ” في العالم العربي، بل بقدرتها على النزول من برج المشاورات النخبوية إلى نبض الشارع، وترجمة “صرامة الشعر المجموع” و”أصالة الجلباب المخزني” إلى حلول ملموسة تعيد للمواطن كرامته وثقته في جدوى السياسة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News