بقلم : محمد مفتاح
في عالم كرة القدم، يُعتبر تكتيك “المهاجم الوهمي ” من أعقد الخطط الاستراتيجية؛ فهو لاعب يتحرك في الواجهة ليمتص ضغط المدافعين ويجذب أنظارهم، مستدرجاً الخصوم نحو صراع جانبي، بينما ينفتح الممر الحقيقي خلفه لاندفاع لاعب آخر يحسم المقابلة ويسجل الهدف. يبدو أن هذا التكتيك الكروي الشهير قد وجد طريقه بدقة متناهية إلى رقعة الشطرنج السياسية في المغرب خلال الانتخابات التشريعية لـ 23 شتنبر 2026. وطيلة أسابيع الحملة الانتخابية المحمومة، شَغَلَ فوزي لقجع الساحة السياسية والإعلامية بظهوره القوي وأرقامه الاقتصادية الصارمة، مما جعل الجميع يوهم نفسه ـ خصوماً ومحللين ـ بأن الرجل هو “رئيس الحكومة الفعلي القادم”، لتستهلك الأحزاب المنافسة كل طاقتها الدفاعية في مواجهة هذا “البلدوزر” التكنوقراطي. لكن، ومع إعلان صافرة النهاية وظهور نتائج الصناديق، تبينت أبعاد الهندسة التكتيكية العميقة: لقد كان لقجع “المهاجم الوهمي” الذي وفّر غطاءً استراتيجياً وحصانة فكرية واجتماعية، ساحباً البساط من تحت أي نقاشات أيديولوجية أو جندرية تقليدية، ليُفسح المجال لحسم تاريخي بموجب الشرعية الدستورية للفصل 47، أفضى إلى تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري كأول امرأة على رأس الجهاز التنفيذي في تاريخ المملكة.
التمويه الاستراتيجي وامتصاص الضغط الأيديولوجي
لقد قضت هذه الهندسة الذكية تماماً على معركة كان يمكن أن تكون شرسة وهادمة. ففي بيئة سياسية واجتماعية تحمل بعض الجيوب المحافظة، كان إشهار اسم امرأة لقيادة الحكومة منذ اليوم الأول للحملة سيعني فتح الباب أمام هجمات أيديولوجية جاهزة، ومحاولات للتشكيك عبر استدعاء تأويلات فقهية تقليدية حول “ولاية المرأة”. غير أن نزول لقجع بثقله، جعل الخصوم السياسيين يسقطون في فخ “التمويه البصري”؛ فتركوا جانباً نقاش “الجندر” واندفعوا بكل ثقلهم الإعلامي لفرملة طموح رجل الميزانية والكرة، ومواجهة برنامجه الاقتصادي والمالي. لقد استهلكت الأحزاب المنافسة ذخيرتها الانتخابية في صراع مع “العنوان الخاطئ”، وعندما انقشع غبار الصناديق بتصدر حزب الأصالة والمعاصرة لـ 97 مقعداً، كان الوقت قد فات لإثارة أي نقاش هوياتي؛ إذ أصبحت قيادة السيدة المنصوري للحكومة واقعاً دستورياً يُدار بآليات الدولة لا بسجالات الأيديولوجيا.
الشرعية الدستورية وتقنين المكتسب التاريخي
ومع صدور الظهير الملكي القاضي بتعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيساً للحكومة مكلفة بتشكيل التحالف الجديد، أُغلق القوس تماماً وحُسم النقاش بقوة القانون والشرعية السيادية العظمى. إن إسناد الأمر للمنصوري، باعتبارها الرأس التنظيمي والمنسقة للقيادة الجماعية للحزب المتصدر، لم يكن مجرد انتصار للمرأة المغربية، بل كان تطبيقاً حرفياً وصارماً للتأويل الديمقراطي لـ الفصل 47 من الدستور. هذا التعيين الذي تم بظهير من جلالة الملك بصفته أميراً للمؤمنين ورئيساً للدولة، منح التجربة حصانة شرعية ودينية مطلقة، وحوّل الأصوات الفقهية المتأخرة التي بدأت تهمس بالحديث الشريف حول قيادة المرأة إلى مجرد صدى معزول خارج سياق الزمن، وخارج إجماع مؤسسات الدولة التي اختارت التحديث والكفاءة عنواناً لمغرب المستقبل.
ما وراء رقعة السياسة: الثقل الدولي الذي أغفلناه
في غمرة الحماس التحليلي ومحاولة تفكيك الشفرات الحزبية المحلية، وقعتُ ـ ومعي قطاع واسع من المحللين ـ في فخ إغفال الأبعاد العابرة للحدود في بروفايل فوزي لقجع. لقد حصرنا أفق الرجل في طموح رئاسة الحكومة المغربية، متناسين أن موقعه اليوم يتجاوز جغرافية الرباط إلى مراكز القرار الرياضي والمالي الدوليين. فالرجل لا يدير مجرد جامعة محلية، بل يمتلك نفوذاً وازناً وثقلاً استراتيجياً داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) والاتحاد الدولي (الفيفا)، وهو نفوذ شُيِّد عبر سنوات من الدبلوماسية الرياضية الناعمة وكان حاسماً في انتزاع شرف تنظيم مونديال 2030. إن التخلي عن هذه المكانة الدولية المرموقة، أو مغادرة هذه المواقع الحساسة في هذا التوقيت بالذات، كان سيعني مجازفة حقيقية بملفات استراتيجية تتطلب وجوده المباشر على طاولة القرار الدولي. من هنا، يتضح أن القراءة الدقيقة لم تكن تكمن في “ترقيته” محلياً لمنصب رئيس الحكومة، بل في الحفاظ عليه كـ”سفير فوق العادة” للمصالح المغربية العليا في المنتظم الرياضي والاقتصادي العالمي، وهو دور لم يكن ممكناً لأي منصب سياسي محلي أن يعوضه أو يضاهي تأثيره.
الثنائية الذهبية: صمام أمان “حكومة المونديال”
لم تكن خطة “المهاجم الوهمي” تنتهي بمجرد تسجيل الهدف، بل إن دور لقجع تحول اليوم من التمويه الانتخابي إلى مساندة خط الهجوم الحكومي كـ”صمام أمان” تنفيذي من داخل المكتب السياسي لـ”البام”. إن المرحلة المقبلة ليست مجرد ولاية حكومية عادية، بل هي مرحلة الاستحقاقات العملاقة وبناء البنية التحتية المقدرة بمليارات الدولارات لاستضافة مونديال 2030. وهنا تبرز عبقرية الثنائية (المنصوري – لقجع)؛ حيث تلتقي الشرعية النضالية والقرب التنظيمي للمنصوري، بالصرامة المالية والخبرة التدبيرية والعلاقات الدولية للقجع. هذا التكامل يمنح حكومة المنصوري حزام أمان فولاذياً ضد أي هزات اقتصادية، ويقدم رسالة طمأنة بالغة الوضوح للمؤسسات المالية الدولية والشركاء الخارجيين بأن “حكومة المونديال” تدار بأعلى درجات الحكامة والانضباط.
إن تجربة انتخابات 2026 ستبقى طويلاً في ذاكرة المحللين كدرس ملهم في التكتيك السياسي، نجح فيه المغرب في العبور نحو الحداثة السياسية وتمكين المرأة من قيادة السلطة التنفيذية لأول مرة، مستعيناً بـ”كاريزما” رجل أحسن اللعب خلف الكواليس وفي الواجهة، ليثبت أن السياسة والمستديرة تشتركان في أمر واحد: العبرة دائماً بالخطة الذكية وبخواتيم المقابلات.























