من «صدمة الصاك» إلى معارك «لي الذراع».. هل تملك حكومة المنصوري أنفاساً طويلة لتفكيك كارتيلات الريع؟

kapress32 ثانية agoLast Update :
من «صدمة الصاك» إلى معارك «لي الذراع».. هل تملك حكومة المنصوري أنفاساً طويلة لتفكيك كارتيلات الريع؟

قراءة نقدية في الالتزامات الرقمية للبرنامج الحكومي وبنية كارتيلات الاحتكار بالمغرب

بقلم : محمد مفتاح

لم يكد الحبر الذي وُقّع به ظهير تعيين الحكومة المغربية الجديدة يجف، حتى وجدت رئيسة السلطة التنفيذية، فاطمة الزهراء المنصوري، نفسها في قلب إعصار سياسي وإداري استثنائي، قطع مبكراً مع الأعراف التقليدية لـ”فترة شهر العسل” أو الـ100 يوم الأولى لمنح الثقة. في مشهد اتسم بسباق محموم مع الزمن، جاء انعقاد المجلس الوزاري في اليوم الثاني فقط للتعيين ليعلن بشكل قاطع أن الولاية الجديدة (2027-2031) لا تمتلك ترف الوقت، بل تُدشّن مرحلة “الواقعية التنفيذية” القصوى تحت عنوان بارز: تثبيت هيبة الدولة وفرض الحكامة الصارمة.
هذا التسارع الزمني الدراماتيكي لم يكن مجرد ترتيب بروتوكولي، بل واكبته جبهات مشتعلة وضعت الأغلبية الحكومية في مواجهة مباشرة مع جيوب المقاومة التقليدية. فبين تفاصيل “أزمة الصّاك” والجدل الذي رافقها، وبين تفاعلات الإعفاء الوزاري المبكر، تبدو لوبيات المصالح وأصحاب الامتيازات وكأنهم باشروا معركة “لي ذراع” مبكرة وممنهجة بهدف فرملة وتخريب أي مخطط أو مسار من شأنه تصحيح الاختلالات الهيكلية التي يحاولون فرضها كأمر واقع. وأمام هذا الابتزاز المصلحي، تحاول الدولة إرسال رسالة مضادة، مشفرة وشديدة الوضوح: إن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن الالتزام بـ”تجريم الإثراء غير المشروع” وإصلاح الإدارة لم يعد مجرد حبر على ورق البرنامج الحكومي، بل هو معركة وجودية استباقية لحماية النموذج التنموي الطموح للمملكة من أي كبح داخلي أو خارجي.
وفي الوقت الذي كان فيه منطق الدولة يتحرك بأقصى سرعته للتأسيس لـ”واقعية تنفيذية” تتنفس انتظارات المرحلة الحارقة، اختار جزء من “البوليميك الافتراضي” على منصات التواصل الاجتماعي الهروب نحو الخلف، عبر ممارسة تنمر شرس وممنهج تمحور حول “سقوط الهمزات” أو الهنات اللغوية الشكلية في وثيقة الخطاب الحكومي. إن هذه المحاولات التبخيسية، التي تحاول حصر برنامج استراتيجي يرهن مستقبل بلاد لخمس سنوات في هوامش شكلية ولغوية، لا تتنافى فقط مع راهنية اللحظة وجدية التحديات الاقتصادية، بل تكشف عن ترسبات خفية تسعى لتبخيس أول تجربة نسوية تقود الحكومة المغربية.
والقراءة الموضوعية والمنصفة للمشهد -بعيداً عن أي اصطفاف سياسي ضيق- تفرض الاعتراف بأن هذه التجربة النسوية المتمثلة في فاطمة الزهراء المنصوري، نجحت لحد الساعة في كسب كل الاختبارات السياسية والمؤسساتية الصعبة؛ بدءاً من إقناع وتدبير الأغلبية البرلمانية، وصولاً إلى هندسة وتشكيل الهيكل الحكومي في ظرفية زمنية قياسية لم تشهدها المملكة منذ عقود. فالتجارب الكبرى لا تُحاسب في بداياتها بناءً على زلات خطّية أو شكلية، بل إن العبرة دائماً بالخواتيم وبمدى القدرة على تحقيق الأثر الملموس في واقع المغاربة.

أرقام “الواقعية” وتوازنات “التعاقد”
عند إخضاع الوثيقة المرجعية التي عرضتها رئيسة الحكومة أمام ممثلي الأمة للتشريح السياسي، يظهر جلياً أن الهندسة الفكرية للبرنامج حاولت صياغة ما وُصف بـ“التعاقد السياسي والمؤسساتي”. هو خطاب ينبذ الوعود الهلامية ويحاول الاحتماء بلغة الأرقام والمؤشرات الماكرواقتصادية المضبوطة، مستنداً إلى شرعية مزدوجة: “الثقة الملكية السامية” كإطار استراتيجي ناظم، و”الإرادة الشعبية” لإفرازات صناديق الاقتراع.
تتوزع هذه الرؤية على ثلاثة مستويات مترابطة تتأرجح بين الطموح التنفيذي والتحفظ المالي؛ حيث تلتزم الحكومة بتحقيق معدل نمو متوسط يبلغ 5% سنوياً طيلة فترة الولاية ، مع كبح جماح التضخم في حدود 2% لحماية ما تبقى من القدرة الشرائية. وفي مقابل هذا الطموح، يظهر التحفظ المالي الصارم عبر التعهد بضبط عجز الميزانية في حدود 3%، وخفض نسبة الدين العمومي لتقارب 62% من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة.
أما على مستوى الهندسة الاجتماعية ذات الأثر المباشر، فلم يعد الخطاب يتحدث عن إصلاحات هيكلية مؤجلة، بل ركز على إجراءات قطاعية فورية ذات صدى شعبي؛ كالإصلاح التدريجي للضريبة على الدخل، وتفعيل الإعفاء التلقائي للأسر المعوزة من فواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم ابتداءً من يناير 2027، وتثبيت مكتسبات الدعم الاجتماعي المباشر. هذا الطموح يوازيه رهان على ثورة في بنية الاستثمار عبر دفع القطاع الخاص ليقود القاطرة بنسبة ثلثي (2/3) الاستثمار الوطني، بالتوازي مع تسريع أوراش السيادة المائية والصناعية والدفاعية، فضلاً عن جلب 26 مليون سائح في أفق 2030.
إن هذه “الواقعية التنفيذية” المطروحة في البرنامج ليست مجرد خطة عمل، بل هي تكتيك اتصالي ذكي يسعى لتحويل الالتزامات الحكومية إلى “مسطرة محاسبة” واضحة المعالم. لكن السؤال المعلق فوق هذه الأرقام الجافة: كيف يمكن لهذه المؤشرات الطموحة أن تترجم على أرض الواقع في بيئة اقتصادية تعاني تاريخياً من توغل شبكات الريع والامتيازات؟

من “درهم السنتيمات” إلى زمن “الكارتيلات”

لا يمكن قراءة المؤشرات الطموحة لبرنامج المنصوري، خاصة المتعلقة بحصر التضخم أو تحقيق النمو، بمعزل عن الخلل البنيوي الهائل الذي أصاب القوة الشرائية للمواطن المغربي عبر العقود. وهنا تحضرنا مقاربة تاريخية شديدة الدلالة؛ ففي ستينات وسبعينات القرن الماضي، كانت الدولة تصك ضمن نقودها قطعة “1 سنتيم”، وكان من يملك درهماً واحداً يملك قوة شرائية حقيقية ومتوازنة تغطي احتياجات معيشية أساسية. أما اليوم، فقد تآكلت القيمة التبادلية للعملة الوطنية بفعل التضخم التراكمي وسياسات تحرير الأسعار، حتى باتت قيمة “الدرهم الحالي” تعادل افتراضياً قيمة “السنتيم الواحد” في الماضي. هذا التآكل المستمر لم يكن مجرد نتيجة حتمية لتقلبات الأسواق العالمية، بل كان في عمقه نتاجاً لبنية ريعية محلية، جرى هندستها ورعايتها بتنسيق غير معلن مع لوبيات ومصالح خارجية، تسعى بكل الطرق لفرملة التوهج المغربي وتعطيل نموذجه التنموي الطموح، وهو اختراق بنيوي يتجلى بوضوح في قطاعات حيوية تمس المعيش اليومي للمغاربة.
ويبرز قطاع العقار كأحد أكبر تجليات هذا الاختراق واحتكار الوعاء العقاري؛ ففي الوقت الذي تقدم فيه الدولة الأراضي التابعة للمدار الحضري أو لأملاكها للمنعشين العقاريين بأثمنة رمزية لا تتجاوز درهمين أو ثلاثة دراهم للمتر المربع تحت مسمى تشجيع السكن الاجتماعي، يفاجأ المواطن بأن سعر شقة اقتصادية بمساحة لا تتعدى 50 متراً قد قفز إلى 300,000 درهم، بل إن سعر المتر المربع للبقع الأرضية في المدن الكبرى وصل إلى 10,000 درهم وأكثر. هذا الفارق الفلكي يذهب مباشرة لجيوب “كارتيلات العقار” التي تمتص الدعم المباشر للأسر، وتُبقي السوق رهينة لربح سريع وغير إنتاجي يخدم خطوط تمويل ومصالح أجنبية تهتم بتركيز الثروة وتعميق الفوارق الطبقية.
ولا يختلف قطاع النشر والطباعة للمقررات الدراسية عن قطاع العقار في شيء، حيث تحول التعليم من خدمة عمومية سيادية إلى تجارة مربحة تتحكم فيها لوبيات دور النشر التي تحتكر المعرفة. هذه الكارتيلات تعمد إلى فرض تغييرات دورية شكلية في الكتب السنوية لغاية وحيدة هي منع التضامن الأسري وإجهاض إمكانية إعادة استخدام الكتب بين الأشقاء، بالتوازي مع ارتهانها التام للوبيات استيراد المواد الأولية كالورق من الخارج بالعملة الصعبة. هذا الوضع يجعل كلفة التعليم عبئاً هيكلياً يستنزف ميزانية الأسر والدولة معاً، ويحارب بشراسة أي محاولة جادة للرقمنة الشاملة أو توحيد الكتاب المدرسي الوطني الذي تطبعه الدولة.
هذا التغول لا يتوقف عند حدود الإسمنت والكتاب، بل يمتد ليتلاعب بلقمة عيش المغاربة اليومية من خلال تخريب سلاسل التوزيع وتكريس المنظومة العقيمة لأسواق الجملة والوساطة في المواد الفلاحية والغذائية. ففي الوقت الذي يبيع فيه الفلاح البسيط منتجاته بأثمنة زهيدة لا تغطي أحياناً كلفة الإنتاج، تصل هذه المواد إلى المواطن في الأسواق الحضرية بأثمنة مضاعفة ومرتفعة بشكل جنوني، نتيجة توغل شبكات معقدة من الوسطاء والمضاربين “الشناقة” الذين يمارسون احتكاراً غير قانوني مستغلين رخص أسواق الجملة التقليدية كشكل من أشكال الريع الإداري. إن هذه الكارتيلات الغذائية تساهم بشكل مباشر في إضعاف القوة الشرائية، وتحويل الدعم الفلاحي الذي تقدمه الدولة إلى أرباح صافية لشبكات ريعية محلية مرتبطة بشركات استيراد وتصدير خارجية، تفضل تصدير خيرات البلاد لتأمين العملة الصعبة على حساب السيادة الغذائية للمواطن المغربي البسيط.

بيئة الحكامة المترهلة.. من التحايل على “القوانين الجاهزة” إلى آليات الصد الرقمي والمؤسساتي

أمام هذا التوغل الشرس لكارتيلات العقار، والتعليم، وأسواق الجملة، وغيرها، يصبح التساؤل حول مدى نجاعة القوانين التقليدية ترفاً فكرياً؛ فالإشكال في البيئة المؤسساتية المغربية لا يكمن في غياب النصوص التشريعية، بل في عبقرية التحايل عليها ونشوء “ثقافة الالتفاف” المشرعنة بالفساد الإداري. وإذا أخذنا نماذج دولية جاهزة، كالتجربة الفرنسية في فرض حصص السكن الاجتماعي عبر مؤسسات الدولة التي تشبه مؤسسة العمران لدينا، أو التجربة الإسبانية في تسقيف أسعار الإيجارات ومحاصرة “الملاكين الكبار”، نجد أن إسقاطها بشكل أعمى على الواقع المغربي سيصطدم فوراً بـ”الابتكار في التحايل”؛ حيث يبرز “النوار” في العقار، والبيع العرفي خارج الأسواق المنظمة، والتلاعب بدفاتر التحملات عبر الرشوة والمحسوبية. ولمواجهة هذا الاختراق البنيوي، لا نحتاج اليوم إلى نسخ نصوص تشريعية جديدة، بل إلى تفعيل آليات صدّ صلبة وغير قابلة للاختراق البشري، وتتمثل في مرتكزات رئيسية متكاملة تتجاوز الحلول الجاهزة.
وينطلق أول هذه المرتكزات من التجريد المطلق للمساطر من الطابع البشري من خلال إرساء رقمنة سيادية؛ فالصد الحقيقي للفساد الإداري يبدأ من سحب “سلطة التقدير البشرية” من الموظف والمنعش على حد سواء. ويقتضي هذا الورش تحويل منظومة العقار، وتوزيع رخص التعمير، ومنصات دعم السكن، والدعم الفلاحي إلى خوارزميات رقمية مركزية وموحدة، بحيث أنه عندما يرتبط الرقم الوطني للمواطن بشكل آلي ومحمي بنظام التحفيظ العقاري وقاعدة بيانات الضرائب، يختفي تماماً هامش المناورة والتحايل، وتصبح الاستفادة من أراضي الدولة أو الدعم مشروطة بـ”الأثر الملموس” المسجل رقمياً لا غير.
ويتكامل هذا الصد الرقمي مع ضرورة مأسسة الاستثمار وكسر الاحتكار بالصناديق الشفافة؛ فبدلاً من تفويض المشاريع الكبرى في السكن أو اللوجيستيك الفلاحي لمنعشين خواص خاضعين لأجندات فرملة خارجية، أو لمؤسسات عمومية كلاسيكية أثبتت التجربة ترهلها، يجب نقل الاستثمار إلى مؤسسات مالية سيادية خاضعة لتدقيق مالي صارم؛ مثل صندوق الإيداع والتدبير وصناديق التقاعد الوطنية. إن هذه الصناديق قادرة على تطوير مجمعات سكنية للكراء الاقتصادي، أو أسواق نموذجية للمنتجات الفلاحية، بحكامة مؤسساتية رفيعة يصعب على “لوبيات الأحياء” والمنعشين والمضاربين اختراقها أو رشوتها.
ولا يمكن لآليات الصد الإدارية والمؤسساتية السابقة أن تنجح دون ربط الحكامة بالقضاء الزجري وتفعيل المحاسبة بأثر رجعي كمخالب قضائية حامية للاقتصاد. إن الالتزام الصريح بتجريم الإثراء غير المشروع، وتفعيل مبدأ “من أين لك هذا؟” على مسؤولي التعمير، ورؤساء الجماعات، ومفتشي الأسواق، هو الضمانة الوحيدة لترهيب جيوب المقاومة وكبح جشع اللوبيات. ويجب أن يترافق هذا الردع القضائي مع فرض ضرائب تصاعدية خانقة على الأراضي غير المبنية المتروكة للمضاربة، ومعاقبة كل منعش يعمد إلى خفض جودة البناء أو التلاعب بالأسعار بسحب رخصته الاستثمارية نهائياً، ليكون عبرة في سياق مغرب جديد يقطع مع الإفلات من العقاب.

الرهان على الصمود والتضامن العام

في نهاية المطاف، تكشف القراءة المتقاطعة بين الالتزامات الرقمية لبرنامج حكومة المنصوري وبين الواقع البنيوي المعقد للأسواق، أن التحدي الحقيقي للمرحلة لا يكمن في هندسة المؤشرات الماكرواقتصادية، بل في مدى القدرة على تحمل كلفة المواجهة؛ فالمعركة التي واكبت انطلاق هذه الولاية لم تكن مجرد صدفة، بل إن تفاصيل “أزمة الصّاك” والجدل الذي دار حول “الهمزات الساقطة” وتداعيات الإعفاء الإداري، هي في عمقها ألاعيب وهجمات مضادة باشرتها اللوبيات المستمرة في التخفي لمحاولة كسب معركتها المصيرية ضد الحكومة الجديدة، وإحراجها مبكراً لفرملة مسار استعادة السيادة الاقتصادية الوطنية.
إن نجاح هذا “التعاقد السياسي والمؤسساتي” المبرم تحت قبة البرلمان يظل رهيناً بثلاث ركائز استشرافية: أولها صلابة الإرادة السياسية أمام هذا الابتزاز المتوقع من كارتيلات الريع التي تسعى لخلق أزمات مصطنعة للضغط على الحكومة. وثانيها التضامن العام والوعي المجتمعي بتحمل الكلفة المؤقتة لهذه الهزات الانتقالية كاستثمار استراتيجي لبناء بيئة اقتصادية نظيفة وعادلة، شريطة تطبيق القانون على الجميع دون استثناء. وثالثها الانتقال من “المسكنات الفورية” إلى “الجراحة الهيكلية”؛ فلن تُحل أزمة المواطن بإعفاءات طفيفة أو شيكات دعم يلتهمها جشع المنعشين والمضاربين في الغد، بل تكمن الحلول الجوهرية في استعادة القيمة التبادلية الحقيقية لعملة البلاد عبر تشجيع الإنتاج الوطني وتحرير الأسواق. والحكومة الحالية تقف اليوم على خط تماس رفيع وفارق في التاريخ السياسي للمملكة؛ فإما أن تنجح في تحويل “الواقعية التنفيذية” إلى جرافة لتفكيك كارتيلات الاحتكار وإعادة القيمة لدرهم المواطن، وإما أن تبتلعها ماكينات الريع الإداري كما ابتلعت تجارب سابقة، والوقت، والصمود في جبهات “لي الذراع” المفتوحة، هما وحدهما الكفيلان بصياغة المحضر النهائي لهذا التعاقد.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News