حينما تنام الرقابة في العسل: أنين حراس المدارس وعمال الشركات تحت مقصلة المناولة

kapress5 ساعات agoLast Update :
حينما تنام الرقابة في العسل: أنين حراس المدارس وعمال الشركات تحت مقصلة المناولة

بقلم : محمد مفتاح

في رائعة السينما المصرية “النوم في العسل”، يحاول النجم عادل إمام أن يلقننا درساً بليغاً في سيكولوجية السلطة والمجتمع؛ مفاده أن “الوطن” لكي يشعر بآلام مواطنيه وأمراضهم الصامتة، لا بد لهؤلاء الضحايا أن يخرجوا إلى الشارع، صاخبين، معلنين بالصوت الصداح عن أوجاعهم التي لم تعد تُحتمل. لكن هذا الطرح السينمائي يضعنا أمام سؤال واقعي حارق: هل بات الخروج إلى الشارع والاحتجاج الصاخب هو القناة الوحيدة لتصل شكاوي المستضعفين؟ أم أن الدولة الحديثة، بمؤسساتها وترسانتها القانونية، يُفترض أن تملك آليات استباقية تستشعر بها هذه الآلام وتداويها قبل أن تنفجر؟
تطل هذه الإشكالية برأسها بقوة عندما نتأمل واقع حراس الأمن الخاص بالمؤسسات التعليمية في المغرب. هؤلاء الجنود المجهولون الذين يقفون في خط الدفاع الأول لحماية فلذات أكبادنا داخل حرم المدارس، يجدون أنفسهم اليوم ضحايا “مثلث برمودا” يتكون من: جشع بعض شركات المناولة، وبطء المساطر المالية للمديريات الإقليمية، وثغرات المراقبة الإدارية. إنهم يئنون في صمت خلف بوابات المدارس؛ يواجهون شهوراً من تأخر الأجور، وضياع الحقوق، وتملص المشغلين من مقتضيات مدونة الشغل، دون أن تلتفت إليهم أعين الرقابة الاستباقية، وكأن لسان حال المنظومة يقول لهم: “لن نسمع وجعكم حتى تخرجوا إلى الشارع”!.
ولا يمكن فهم أزمة حراس الأمن الخاص بالمدارس دون تفكيك العقدة البنيوية لنظام “التدبير المفوض” أو المناولة. في هذا النظام، تجد الوزارة الوصية نفسها في موقع “المتفرج التقييمي”، بينما تتربع شركات الحراسة في موقع “المشغل الفعلي”، ليقع الحارس في فخ علاقة شغل هشة. إن هذا الترتيب التعاقدي يحوّل حارس الأمن إلى حلقة أضعف؛ فهو مطالب بالالتزام الصارم بتأمين حرم المؤسسة التعليمية، ومراقبة بواباتها، وحماية التلاميذ والأطر لمدد تفوق أحياناً الطاقة البشرية، في مقابل تنصل شبه تام من أبسط حقوقه المواطنة.
وعندما يتعالى صراخ الحراس بسبب توقف نبض أجورهم لشهور طويلة، تسارع الشركات إلى رفع ورقة “تأخر الدفوعات المالية من طرف المديريات الإقليمية والأكاديميات الجهوية” كذريعة قانونية وأخلاقية. وهنا تكمن المفارقة الحارقة: فمن جهة، تعاني الإدارة العمومية من ترهل مسطري وبطء قاتل في التأشير على صرف الاعتمادات مفرزةً أزمة سيولة لدى المقاولات. ومن جهة أخرى، يكشف هذا التبرير عن “عورة” غياب الملاءة والقدرة المالية لدى هذه الشركات، التي تدخل صفقات عمومية بملايين الدراهم دون أن تملك رأس مال احتياطي يؤمن رواتب عمالها لبضعة أشهر. إنها تجارة بائسة تعتمد على “عرق العمال” لتمويل دورتها الاقتصادية، في خرق سافر لمدونة الشغل التي لا تربط أجر العامل بمدى استخلاص المشغل لفواتيره من الزبائن.
إن العودة إلى سؤال فيلم “النوم في العسل” تفرض علينا مساءلة أدوار مفتشية الشغل واللجان الإقليمية للتتبع. إن القوانين ودفاتر التحملات الحالية تتضمن بنوداً صارمة تلزم الشركات بالحد الأدنى للأجور، والتصريح في صندوق الضمان الاجتماعي، والأداء عبر التحويل البنكي، لكن على أرض الواقع، تكتفي الإدارة بصرف دفعات الشركات بناءً على وثائق مكتوبة قد يغيب عنها الصدق، دون تفعيل آليات الرقابة الميدانية المفاجئة. هذا الغياب للعين الرقابية الاستباقية للدولة هو ما يمنح بعض الشركات الضوء الأخضر لفرض “عقود إذعان”، واقتطاع ساعات العمل، بل وإجبار الحراس على توقيع “استقالات بيضاء” تضيع معها أقدميتهم كلما تغيرت نائل الصفقة، في مشهد يكرس “العبودية الحديثة” تحت يافطة الصفقات العمومية.
وفي نهاية المطاف، لا يمكننا الحديث عن تنمية حقيقية، أو سلم اجتماعي، أو نموذج تنموي واعد دون وضع كرامة المواطن كحجر زاوية في صرح الدولة؛ فلا وجود لوطن حقيقي بلا مواطن يشعر بالأمان الاقتصادي والاجتماعي، كما أن دولة الحق والقانون لا تتأسس على ترسانة من النصوص والتشريعات الجامدة، بل تنبثق أصلاً من تقدير الإنسان وحماية حقوقه في أي موقع كان. إن أزمة حراس الأمن بالمدارس ليست إلا وجهاً واحداً لعملة مشروخة تئن تحت وطأتها فئات واسعة من العمال والعاملات في مجالات النظافة، والطبخ والمطعمة، والبستنة، والخدمات اللوجستية؛ أولئك “المنسيون” في قاع المنظومة الاقتصادية الذين يواجهون سياط جشع شركات المناولة، وبيروقراطية المساطر الإدارية. إن هضم حقوق هذه الفئات الهشة أو تأخير أجورها هو مس مباشر بالعدالة الاجتماعية، وإهانة لكرامة الإنسان الذي يبني الوطن بعرقه وقوته اليومي، وهو الأمر الذي يفرض الانتقال الفوري من مرحلة رصد الآلام صامتين إلى مرحلة البناء الاستباقي للحلول.
ولتحقيق هذه القفزة النوعية وتفعيل المفهوم الاستباقي للدولة الراعية لكل أبنائها، يتطلب الأمر إحداث منصة رقمية مشتركة وإلزامية تربط بين القطاعات الوزارية المعنية ومفتشية الشغل والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بحيث تتيح هذه المنصة تتبع أداء أجور كافة عمال المناولة بشكل شهري وآلي وتمنع صرف أي دفعة مالية لأي شركة إلا بعد تأكيد النظام الرقمي لتوصل العمال برواتبهم كاملة عبر تحويلات بنكية شفافة. وبالموازاة مع ذلك، يتعين تبسيط المساطر القانونية التي تتيح للإدارات والمؤسسات العمومية اقتطاع مبالغ الأجور مباشرة من مستحقات الشركات العالقة وضخها في الحسابات البنكية للعمال في حال ثبت أي تماطل يتجاوز الآجال القانونية دون إجبار الأجراء على خوض مسارات قضائية طويلة ومرهقة تحرمهم من قوتهم اليومي.
كما يقتضي الإصلاح الجذري مراجعة شاملة لمنظومة الصفقات العمومية عبر تشديد شروط الأهلية والملاءة المالية بهدف إقصاء الشركات الكرتونية التي لا تملك سيولة، واشتراط تقديم ضمانات بنكية توازي قيمتها تغطية أجور العمال لستة أشهر على الأقل بشكل مستقل تماماً عن دفعات الدولة المتأخرة. ويتوجب فتح نقاش وطني جاد وعميق يراجع فلسفة نظام المناولة والتدبير المفوض الذي تحول في كثير من الأحيان إلى مطية للاستغلال، وبحث إمكانية إدماج هذه الفئات الحيوية بشكل تدريجي ضمن مؤسسات أو شركات جهوية تابعة للدولة تخضع للرقابة المباشرة، لقطع الطريق نهائياً على سماسرة العرق البشري لأن صيانة كرامة الفئات الهشة وحماية حقوقها ليست ترفاً أو منّة من أحد، بل هي التجسيد الفعلي والملموس لمعنى المواطنة الحقة والركيزة الأساسية لبناء دولة قوية، عادلة، ومتضامنة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News