هذه قصتي مع لشكر: من قبو “أولاد تايمة” إلى أغلبيّة 2026: الاتحاد الاشتراكي وسؤال المبادئ المنسيّة

kapress10 دقائق agoLast Update :
هذه قصتي مع لشكر: من قبو “أولاد تايمة” إلى أغلبيّة 2026: الاتحاد الاشتراكي وسؤال المبادئ المنسيّة

بقلم : محمد مفتاح
في كواليس العمل السياسي المغربي، تُختصر التحولات الكبرى أحياناً في مشاهد محليّة صغيرة، لكنها تحمل من الدلالات ما يكفي لفهم أزمة المشهد الحزبي برمته.
تعود بي الذاكرة إلى الحملة الانتخابية الجماعية لعام 2009، وتحديداً إلى المقر القديم لفرع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمدينة أولاد تايمة، الذي كان يقبع أسفل مدرسة الإسماعيلية الخاصة. يومها، حلّ السيد إدريس لشكر ضيفاً ومرافعاً عن مدرسته السياسية، وفي غمرة الوعود الانتخابية المعسولة—التي لا تختلف كثيراً بين الهيئات—رفعتُ يدي كشاب يملؤه الحماس والثقة في قدرة الفئات الشابة على تحريك العمل الجماهيري، وطرحتُ سؤالاً بريئاً حول رؤية الحزب لمشاركة الشباب وتجديد النخب السياسية في دهاليز دكاكين الديمقراطية المنشودة.
ولأن “الراعي” يحفظ سكنات رعيته التي كانت تختلف عن رائحة “الغربة” المنبعثة من ثنايا سؤالي، لم يكن الجواب فكرياً ولا سياسياً؛ بل انحنى القائد الحزبي هامساً في أذن مسيّر اللقاء ليتساءل أولاً عن “هويتي السياسية” وتوجهي. وما إن علم أنني كنت ضمن اللجنة المحلية التأسيسية لحزب الأصالة والمعاصرة (البام) بالمدينة، حتى فُتحت فوهة بندقية هجومية شرسة، تجاوزت أدبيات النقاش لتغرق في قاموس “زنقاوي” من النعوت والسباب ضد الوافد الجديد آنذاك، وبدون رحمة أو شفقة؛ مستفيداً من كونه عريس اللقاء وصاحب البيت.
طبعاً، لم أكن معنياً بكل ذلك الضجيج؛ فالمفارقة التي لم يهمس بها مسيّر اللقاء في أذن ضيفه، هي أن علاقتي بـ”البام” لم تدم حينها سوى أقل من أربعة أشهر. إذ سرعان ما قدمنا، كأعضاء أول لجنة محلية بأولاد تايمة، نقداً ذاتياً شجاعاً واستقلنا جماعياً؛ بعد أن صُدمنا بالعيوب التنظيمية التي ظهرت مبكراً منذ المؤتمر التأسيسي؛ حيث كنتُ واحداً من أولئك الذين شكّلوا لجنة مناقشة وتعديل القانون الأساسي، يوم انبرى لنا رئيس اللجنة آنذاك، منتصباً فوق طاولته ليقسم بأغلظ الأيمان أنه لن تُعدّل كلمة واحدة في أي مادة، فبالأحرى تعديل مادة كاملة!
ولم تتوقف خيبات الأمل عند صنمية القوانين فحسب، بل تلاها تساقط تزكيات الأعيان بـ”الباراشوت” من المركزية، متجاوزةً بجرأة مسطرة الكتابة الجهوية التي كان يرأسها أستاذي يوسف صديق. وبناءً على هذا المشهد المأزوم بداخل الوافد الجديد، بدا الهجوم الشرس للاتحاد الاشتراكي يومها، بقيادة فارسه المغوار إدريس لشكر، هجوماً خارج السياق؛ لكنه كان يشي بأن المعركة في عمقها “باسوسية” بامتياز، وإنها معركة وجود وتنافس حاد على الشرعية والمناصب.
ودار الفلك دورتَه، وتطايرت سنوات السقوف السياسية، لنجد أنفسنا اليوم في أكتوبر 2026 أمام مشهد سريالي يتجاوز حدود خيال “صاحب الطاولة” و”صاحب البندقية” معاً! فالفارس المغوار الذي كاد يُهدم سقف قبو أولاد تايمة صراخاً ونفيراً ضد “الوافد الإداري اللقيط”، يشد الرحال اليوم بكامل وقاره الحزبي إلى المقر المركزي لنفس ذلك “الوافد”، باسطاً يديه لتلقي “عرض خطوبة حكومي” كريم تقوده فاطمة الزهراء المنصوري.
تبخر القاموس الهجومي، وحلّت محله “ابتسامة التوافقات” الدبلوماسية العريضة. لقد ذابت النعوت والشتائم في أواني “الأقطاب الوزارية المتكاملة”، ولسان حال البراغماتية الحزبية يقول: “ما أفسده قبو أولاد تايمة عام 2009، تُصلحه كعكة الرباط عام 2026!”.
المأساة هنا لا تكمن في تغيير المواقف؛ فالمرونة في السياسة مطلوبة، لكن السخرية السوداء تتجلى حينما نتذكر أن هذا الدكان التفاوضي يحمل يافطة حزب بناه عبد الرحيم بوعبيد الذي استقال من مناصبه لأجل فكرة، وعمر بنجلون الذي دفع حياته ثمناً لمبدأ، وعبد الرحمن اليوسفي الذي اعتزل السياسة بشرف حين أحس بالخروج عن المنهج الديمقراطي. إنها مفارقة تُبكي وتُضحك في آن واحد؛ كيف تحول إرث تلك القامات الوازنة وتضحياتها التاريخية إلى مجرد “رصيد تجاري” يُناور به نفس الشخص منذ عام 2009 لاقتناص حقيبة وزارية، وكأن لسان حال المشهد يقول للشباب الذين يحملون همّ الوطن: “اخطبوا، واصرخوا، واستقيلوا… ففي النهاية، الزعيم باقٍ، والمبادئ تموت، والحال هو الحال !”.

بقلم : محمد مفتاح
Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News