محمد مفتاح
عندما نفوز، فنحن الفراعنة والأقوى، وأسياد القارة الذين لا يُشق لهم غبار. أما عندما نسقط، وتتبخر الأحلام في الأمتار الأخيرة، فإن العقل والمنطق يستقيلان فوراً ليتركا الساحة لـ “بروباغندا المؤامرة” الجاهزة. هذا هو المشهد الإعلامي الصاخب والمليء باللغط الذي أعقب الخروج الدرامي للمنتخب المصري؛ حيث تحولت الشاشات والمنصات فجأة من نبرة الفخر والتحليل الفني البارد، إلى حفلة صراخ جماعية تعلق الفشل على “شماعة التحكيم والمنظومة الكروية”، وتصويب السهام تارة نحو فوزي لقجع والمغرب، وتارة أخرى نحو مؤامرات كونية متخيلة. إن هذا الصخب القائم لا يعكس مرارة الخسارة بقدر ما يجسد عجزاً مزمناً عن مواجهة الحقيقة الفنية المريرة، والهروب السريع نحو “الشماعات الجاهزة” لتبرير الانهيار في اللحظات الحرجة، تلبية لرغبة صناع “التريند” في ركوب موجة الغضب الشعبي بدلاً من الاعتراف بالخلل الحقيقي داخل المستطيل الأخضر.
تضخيم الواقع وغياب الواقعية.. العيش في جلباب الوهم الرياضي
لقد مارست المنصات الرياضية قبل الصدمة عملية “تنويم مغناطيسي” جماعي للمشجع العربي، حيث تم تصوير التأهل إلى الأدوار الإقصائية كأنه نزهة مضمونة، ورُسمت صورة كاريكاتورية عن المنافسين وكأنهم مجرد جسر عبور لأمجاد الفراعنة. هذا النفخ الإعلامي المتعمد لم يكن مبنياً على قراءة تكتيكية للأرقام أو الفوارق البدنية، بل اعتمد على دغدغة العواطف الرخيصة وشحن الجماهير بوعود زجاجية، مما خلق فجوة هائلة بين الواقع المرير على أرضية الملعب وبين الأحلام الساذجة في استوديوهات التحليل. وعندما حانت لحظة الحقيقة، تفتت هذا الوهم فجأة، فكان من الطبيعي أن يكون السقوط مدوياً والصدمة عنيفة، لأن الإعلام الذي صنع من الورق بطلاً عجز عن حمايته من رياح الواقعية الفنية.
الضحية الجاهزة.. كبش فداء للإخفاق وهرب من المقصلة
فور إطلاق صافرة النهاية وإعلان الخروج المرير، تبدلت جلود الإعلاميين في أجزاء من الثانية، لتتحول شاشات التلفزيون والمنصات الرياضية إلى مسالخ علنية تنصب المشانق للاعبين والمدربين. لقد سارعت الآلة الإعلامية إلى تفصيل “كبش فداء” مقاسه يتناسب مع حجم الغضب الجماهيري العارم، فركزت سهامها المسمومة على هفوة لاعب أو قراءة مدرب، متناسية تماماً جذر المشكلة الحقيقي. هذا البحث المستميت عن ضحية جاهزة لم يكن رغبة في الإصلاح، بل كان وسيلة دفاعية ومقصلة موجهة بدقة لتشتيت الأنظار عن الفشل الإداري المزمن، والفساد الهيكلي في منظومة التخطيط، والتقصير القاتل في إعداد الكوادر وإدارة الأزمات داخل كواليس اتحاد الكرة.
رئيس الفيفا “المحب لميسي” وعقدة المؤامرة الأرجنتينية
في هذا السقوط تحديداً، تجاوزت سريالية الآلة الإعلامية كل الخطوط الحمراء؛ فلم يعد كبش الفداء لاعباً أضاع ركلة جزاء، أو مدرباً أخطأ في التغييرات، بل تم تفصيل المؤامرة على مقاس أعلى سلطة كروية في العالم. صوّبت السهام الإعلامية مباشرة نحو رئيس الفيفا، وجرى اتهامه علناً بـ”توجيه البطولة” ومحاباة رفاق ميسي والمنتخب الأرجنتينية على حساب أحلام الفراعنة، ليتحول رئيس الاتحاد الدولي إلى المتهم الأول في حفلة الزار الإعلامية. المفارقة المضحكة المبكية هنا، هي أن هذا الإعلام “المتباكي” الذي صرخ طويلاً من ظلم التحكيم وانحيازه للأرجنتين، هو نفسه الذي أصيب بـ”العمى الاختياري” وخرس تماماً في مواجهة الظلم الصارخ الذي تعرض له منتخب إيران عندما واجه نفس المنافس، لتسقط الأقنعة وتنكشف حقيقة هذه “الشماعات” التي لا تُستدعى إلا لتبرير الفشل، والتغطية على الانهيار الفني والبدني الحقيقي في الأوقات القاتلة من المباراة.
وهم “السبعة ألقاب”.. عندما كشفت الملاعب العالمية عورات الكواليس الإفريقية
لقد ذهب اللغط الإعلامي القائم بعيداً في التباكي، محاولاً حماية أسطورة “بعبع إفريقيا” التي تبجح بها الكثيرون لسنوات طويلة. لكن الحقيقة الفنية المجرّدة تكشف أن تلك الصولات والجولات، والألقاب السبعة التي يتغنى بها الشارع الرياضي المصري، لم تكن وليدة تفوق فني خالص، بقدر ما كانت نتاج منظومة نفوذ امتدت لعقود في أروقة الاتحاد الإفريقي. لقد بنيت تلك الأمجاد في حقبة اتسمت بفساد علني قاده عيسى حياتو، بالتوازي مع الاستغلال المفرط لوجود مقر “الكاف” في القاهرة، مما أمن حماية لوجستية وتحكيمية قارية للمنتخب المصري في المكاتب المغلقة قبل المستطيل الأخضر.
والدليل الدامغ الذي يسقط ورقة التوت عن هذه الأسطورة القارية هو “عقدة المونديال”؛ إذ انتظر المنتخب المصري عقوداً طويلة من الزمن ليتذوق طعم انتصاره الأول والوحيد في تاريخ كأس العالم. هذا العجز التاريخي عن مجاراة الكبار خارج حدود القارة السمراء، حتى إطلاق صافرة المونديال الأخير، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن النفوذ الذي حسم البطولات الإفريقية في الماضي تبخر تماماً أمام عدالة الملاعب العالمية والنزاهة الفنية، ليثبت أن التباكي اليوم على فوزي لقجع والمغرب ليس إلا محاولة بائسة للتغطية على حقيقة أن زمن “امتيازات المقر” قد انتهى بلا عودة.
من منصات “التريند” إلى بساط الواقع.. وصفة الإصلاح الحقيقي
إن زلزال الخروج من المونديال وما رافقه من لغط وصراخ إعلامي يجب أن يكون بمثابة شهادة وفاة لعصر “المؤامرات المتخيلة” والشماعات الجاهزة. لقد أثبتت كرة القدم الحديثة، بما لا يدع مجالاً للشك، أن البطولات والإنجازات لا تُصنع داخل استوديوهات التحليل الصاخبة، ولا تُحسم بنشر التغريدات وحشد التفاعلات على صفحات التواصل الاجتماعي التي لا تجلب سوى انتصارات وهمية وجماهيرية زائفة.
النجاح الكروي الحقيقي والاستدامة في مقارعة كبار اللعبة هما نتاج معادلة صارمة قوامها: التخطيط العلمي طويل الأجل، الاستثمار الحقيقي في البناء القاعدي والأكاديميات، وتطوير المواهب الشابة بعيداً عن مجاملات الكواليس ونفوذ المكاتب المغلقة. إن أردنا صياغة مستقبل رياضي يليق بالطموحات، فعلينا أولاً أن نمتلك شجاعة النظر في المرآة، والاعتراف بالعورات الفنية، والبدء في عمل تراكمي جاد على أرض الواقع؛ فالمونديال يمنح مجده لمن يركض ويزرع في الميدان، وليس لمن يتباكى خلف الشاشات.























