محمد مفتاح
في الوقت الذي تخرج فيه التقارير الرسمية لتبخس عقولنا وتتبجح بنجاح ما يسمى “الهجرة الدائرية”، محتفية بأرقام قياسية تجاوزت 15 ألف عاملة موسمية يُسَقن سنوياً إلى حقول “ويلبا” الإسبانية؛ يبقى السؤال الحارق والمسكوت عنه في الصالونات السياسية النخبوية: ما هو الثمن الإنساني والنفسي الباهظ الذي تدفعه هؤلاء النساء مقابل بضعة يوروهات تُنعش جيوب الإقطاعيين والمقاولات الفلاحية الأوروبية؟
التجارة بالبشر والرهائن العاطفية
إن تفكيك واقع هذا البرنامج الفج يكشف عن تواطؤ ومفارقة صارخة؛ فشروط انتقاء العاملات – وفي مقدمتها أن تكون المرأة متزوجة أو مطلقة والأهم أن تكون أمّاً لأطفال قاصرين – تعكس في جوهرها “رهينة عاطفية” دنيئة تبتز بها السلطات مشاعر الأمومة لضمان عودتهن. إنها عملية مقايضة لا إنسانية: نمنحكِ كسرة خبز مغمسة في عرق الشغل الشاق، مقابل احتجاز أطفالكِ كرهائن جغرافيين لضمان عدم هروبكِ من جحيم حقول الفراولة. ورغم كل مساحيق التجميل الأخيرة التي تتغنى بها الوزارات من تأشيرات ممتدة وبطاقات صحية صُورية، فإن الواقع داخل الضيعات يظل معزولاً عن أي رقابة فعلية، حيث تطحن الأمية وعائق اللغة كرامة العاملات اللواتي يجدن أنفسهم في مواجهة الابتزاز، وظروف السكن المهينة، وتجاوزات الباطرونا الإسبانية دون أي جدار حمائي حقيقي.
البيوت الباردة: طحن الطفولة وتشتيت الأسر
خلف لغة الأرقام الجافة التي يتبادلها المسؤولون في لقاءاتهم المخملية، تختبئ مآسٍ اجتماعية صامتة تدمر الأسرة المغربية في العمق. إن انتزاع الأم من بيتها لأشهر متواصلة هو جريمة مكتملة الأركان في حق أطفال قاصرين يُحرمون من الرعاية العاطفية والتربوية في أدق مراحل نموهم. هذا الانفصال القسري يترك خلفه ثقباً نفسياً أسود، ويعيد تشكيل بنية الأسرة القروية بطريقة مشوهة؛ حيث يجد الآباء أو الأقارب أنفسهم عاجزين عن سد الفراغ، مما يفرز واقعاً مريراً عنوانه الهدر المدرسي، الانحراف، والتحصيل الدراسي المتدهور للأبناء، بينما تعود الأمهات مثقلات باكتئاب الغربة، والجلد النفسي، والقلق المزمن على مصير فلذات أكبادهن.
من ويلبا إلى اشتوكة: الاستعباد محلي ومستورد
هذا الارتماء الانتحاري في أحضان حقول إسبانيا ليس اختياراً، بل هو هروب اضطراري من واقع محلي أكثر سادية واستغلالاً. فإذا كانت العاملة في “ويلبا” تعاني من غربة موحشة، فإن زميلتها في حقول “الغرب” أو “اشتوكة آيت باها” تواجه سخرة حقيقية تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الآدمية. في الحقول المحلية، تُستنزف النساء لساعات طوال تحت أشعة الشمس الحارقة وفي بيوت بلاستيكية خانقة مقابل أجور بئيسة تضرب عرض الحائط بالحد الأدنى للأجر، دون أدنى تغطية صحية أو حماية اجتماعية، والأدهى من ذلك، أنهن يُشحنّ كالماشية في شاحنات الموت العشوائية التي تحصد أرواحهن بدم بارد على الطرقات دون حركية جادة لمحاسبة الحيتان الكبرى في القطاع الفلاحي المحلي.
سحق الكرامة الوطنية: كفى من تصدير الأجساد
إن كرامة المرأة القروية المغربية لا يمكن أن تظل مجرد عملة رخيصة تُقايَض بها المصالح الدبلوماسية والاتفاقيات الدولية، أو ورقة توت تواري سوأة الفشل التنموي في العالم القروي. إن الحل الحقيقي لا يكمن في تلميع قيود الهجرة الدائرية وتطوير سبل تصدير اليد العاملة، بل في وقف هذا النزيف الآدمي عبر فرض بدائل وطنية حقيقية. يجب دك عقليات الريع الفلاحي وإلزام الشركات الكبرى محلياً باحترام الأجر العادل، وتوفير النقل الآمن، وفرض الحماية الاجتماعية بقوة القانون، مع توجيه الاستثمارات لدعم التعاونيات النسائية وتمويل مشاريع حقيقية مدرة للدخل تغني هؤلاء النساء عن الذل والمرارة.
لقد حان الوقت لكسر جدار الصمت والنفاق السياسي؛ فكرامة مواطناتنا ليست معروضة للبيع في أسواق جني الفواكه الأوروبية. متى يستفيق أصحاب القرار من غيبوبة الأرقام، أم سنستمر في مشاهدة نساء المغرب وهن يُلفظن بعد أن تُمتص دماءهن وشبابهن في حقول الغير؟























