الدكتور سعيد بوشاكوك لـ “كابريس”: تصويت اللجنة الرابعة يطوق الأطروحات العقيمة

يوسف بدري5 ساعات agoLast Update :
الدكتور سعيد بوشاكوك لـ “كابريس”: تصويت اللجنة الرابعة يطوق الأطروحات العقيمة

حاوره : محمد مفتاح

المنتظم الدولي يرفض هدر الزمن، وتعنت خصوم الوحدة الترابية قد يدفع لفرض الحل بالفصل السابع 

الوطن أولاً، وقضيتنا الأم هي أساس وجداننا الوطني؛ هذه القضية الوطنية المقدسة التي تعرف اليوم منعطفاً تاريخياً حاسماً في ظل الرؤية الحكيمة والمتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده. وفي سياق هذه الحركية الدبلوماسية المتسارعة التي تشهدها أروقة الأمم المتحدة، وبصم المملكة على مكتسبات نوعية كرسها التأييد الساحق باللجنة الرابعة للجمعية العامة، تتجه القراءات الاستراتيجية صوب مجلس الأمن الدولي المرتقب أن يعتمد نهاية هذا الشهر قراراً جديداً يؤطر المسار السياسي للملف ويجدد تمديد ولاية بعثة “المينورسو”.

ولأجل تفكيك الخلفيات الجيو-سياسية والأبعاد المجالية لهذه التطورات الأممية الراهنة، تسعد الجريدة الإلكترونية “كابريس” باستضافة الدكتور سعيد بوشاكوك، الإطار بوزارة الاقتصاد والمالية، الحاصل على دكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية، والإطار السابق بوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان والبيئة. وهو إلى جانب مساره الإداري والأكاديمي، فاعل مدني ومدرب معتمد في التكوين والتدريب، وله عدة إسهامات وازنة سواء في مجال الكتابة أو تنشيط البرامج الإعلامية.

في هذا الحوار المقتضب، يضع الدكتور بوشاكوك مشرط التحليل الأكاديمي على واقع المواقف الدولية الراهنة، ويقارب بخلفيته العلمية تموضعات القوى العظمى داخل ردهات الأمم المتحدة، مستشرفاً المآلات السياسية للقرار الأممي القادم، مع ربطها بالدينامية التنموية الميدانية والنموذج التنموي الخاص بالصحراء المغربية.

إليكم نص الحوار:

الإجماع الدولي باللجنة الرابعة، ومغالطات البروباغندا حول مواقف روسيا والصين

كابريس: حقق المغرب لتوّه انتصاراً دبلوماسياً كبيراً في اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة بتأييد ساحق لـ 152 دولة. كيف تقرؤون دلالات هذا الإجماع الدولي الواسع في هذا التوقيت بالذات؟

د. سعيد بوشاكوك: لا يمكن فهم واستيعاب ما جرى داخل اللجنة الرابعة للأمم المتحدة إلا بالعودة إلى التاريخ أولاً، ثم تقييم مسار هذا النزاع داخل منظمة الأمم المتحدة بين الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي. فالمغرب هو المبادر لطرح الملف في أروقة اللجنة الرابعة للأمم المتحدة سنة 1963 لتصفية الاستعمار الإسباني من سيدي إفني والصحراء المغربية (الساقية الحمراء ووادي الذهب). ولأول مرة يعرض القرار للتصويت برغبة من الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن كان، بعد النقاش، يتم الاعتماد على التوافق.

ويعد القرار إيجابياً لصالح المغرب ما دام يكرس المرجعية الدولية، آخذاً بعين الاعتبار مكاسب المسار، وخاصة قرار مجلس الأمن الدولي الصادر بتاريخ 31 اكتوبر 2025. وبالتالي، فإن هذا الإنجاز سيعزز التوجه الدولي الداعم والمقتنع بكون الحكم الذاتي هو الخيار وقاعدة التفاوض وهندسة الحل الواقعي والمستدام.

كابريس: القرار كرس بشكل صريح مرجعية قرار مجلس الأمن كسند ثابت. كيف يساهم هذا التناغم الأممي في محاصرة الأطروحات المتجاوزة والمنتهية الصلاحية؟

د. سعيد بوشاكوك: تتمة لما سبق، فإن إقرار المرجعية الدولية داخل القرار كسند ثابت، يبين بشكل لا يقبل التأويل أن مداولات اللجنة الرابعة تناغمت بشكل إيجابي مع التوجه العام للمنتظم الدولي، من خلال قرارات مجلس الأمن الدولي صاحب الاختصاص الحصري لهذا النزاع المفتعل.

كابريس: تُروّج البروباغندا الأخرى لـ “تحالفات وثيقة” مع قوى عظمى مثل روسيا والصين، لكن واقع التصويت الأخير أظهر حيادهما الإيجابي وتناغمهما مع التوجه الأممي المستند لقرارات مجلس الأمن. كيف تفسرون هذا التباين بين الخطاب الإعلامي الجزائري والواقع الدبلوماسي الحقيقي لبكين وموسكو؟

د. سعيد بوشاكوك: في العلاقات الدولية هناك موازين القوى حسب التوازنات الجيو-سياسية والاستراتيجية، حيث المواقف تبقى قراراً سيادياً للدول؛ فالامتناع هو موقف حيادي يعزز أغلبية المصوتين. حيث يعد موقف روسيا والصين، من منظور العلاقات الدولية، يخدم مصالح المغرب من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يدعم التوجه العام للقرار الاعتماد على تطورات ومكاسب مسار النزاع كمنجزات لديناميكية الدبلوماسية المغربية.

كابريس: يركز المجتمع الدولي على آلية “الموائد المستديرة” ويحدد أطراف النزاع بدقة. كيف ترون استمرار رفض الجزائر للمشاركة، وكيف تضعها التطورات الأخيرة أمام مسؤوليتها السياسية؟

د. سعيد بوشاكوك: إن ملف النزاع حول مغربية الصحراء اختصاص حصري لمنظمة الأمم المتحدة عبر مجلس الأمن الدولي باعتماد التفاوض في إطار الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة. وحيث إنه أمام تعنت وعدم رغبة كل من الجزائر وجبهة البوليساريو على الخصوص في الانخراط بشكل إيجابي وبروح المسؤولية، فإنه يمكن فرض الحل في إطار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

إن مسلسل المشاورات برعاية أمريكية وبإشراف أممي، سواء في نيويورك أو مدريد أو واشنطن، كلها تهدف إلى بناء الثقة، ورغم أن مؤشرات التقارب تعترضها بالأساس حواجز نفسية، فالتفاوض يتطلب عقليات تستوعب التحولات الكبرى التي يشهدها العالم بتقريب وجهات النظر والبحث عن المشترك والابتعاد عن الأطروحات الأيديولوجية العقيمة؛ فلا داعي لهدر الزمن ما دام المنتظم الدولي مقتنعاً بنجاعة خيار الحكم الذاتي على ضوء الشرعية الدولية وروح قرارات مجلس الأمن الدولي.

كواليس القرار المرتقب لمجلس الأمن وفرص الخروج من الجمود والانتظارية

كابريس: تفصلنا أيام قليلة عن جلسة التصويت الحاسمة بمجلس الأمن الدولي لتمديد ولاية “المينورسو”. ما هي توقعاتكم لشكل القرار القادم في ظل الزخم الدبلوماسي والميداني لصالح المغرب؟

د. سعيد بوشاكوك: إن قرار مجلس الأمن الدولي المرتقب إصداره في أواخر شهر أكتوبر الحالي سيواكب مرجعية القرار الصادر في 31 اكتوبر 2025 وتطورات مسلسل التفاوض بين أطراف النزاع، في ظل تحيين المبادرة المغربية للحكم الذاتي؛ إذ أصبحت هي قاعدة التفاوض المركزية ما دامت القوى العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا أقرت بسيادة المغرب على صحرائه على سبيل المثال لا الحصر، مما شكل تحولاً عميقاً في مسار الملف.

كابريس: تابعنا مؤخراً إحاطة المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا المغلقة أمام مجلس الأمن. برأيكم، ما هي الخيارات التي تبقت أمام الوساطة الأممية أمام جمود مواقف الأطراف الأخرى؟

د. سعيد بوشاكوك: نشير أولاً إلى أن كل مناورات أطراف النزاع تبقى محدودة دون أثر على ثبات وصلابة عدالة القضية الوطنية. وبالتالي، فإن قرار مجلس الأمن الدولي سيشيد بشكل إيجابي بتعاون والتزام المغرب، على عكس الأطراف الأخرى وخاصة الجزائر وجبهة البوليساريو التي ما زالت تعرقل كل مساحات التعاون والانخراط الفعال في حلحلة النزاع للخروج من حالة الجمود والانتظارية.

ونؤكد هنا أن هناك فرصة تاريخية لجميع الأطراف لتعزيز خيار الحكم الذاتي خدمة لمصالح الجميع، خاصة في عالم يعرف متغيرات متسارعة نحو المجهول واللايقين.

“المزاوجة بين المسار الدولي والجاذبية الترابية للأقاليم الجنوبية”

كابريس: بصفتكم متخصصاً في “التنمية والمجال”، تشيد التقارير الأممية بالدينامية التنموية بالصحراء المغربية. كيف يتحول المنجز التنموي على الأرض (المشاريع الملكية والبنيات التحتية) إلى رافعة قوية للدبلوماسية الترابية للمملكة؟

د. سعيد بوشاكوك: نشير بدءاً إلى أن مسار النزاع حول الصحراء المغربية يأخذ اتجاهين متكاملين؛ الأول دولي، ويتمثل في مسار التفاوض في أروقة الأمم المتحدة، وهو موكول للدبلوماسية المغربية التي ترتكز على التصور الملكي لتوجهات ومحددات السياسة الخارجية المغربية، بمبادرات متكاملة تعتمد على تعدد الشراكات والتوجه البراغماتي الذي يخدم المصالح العليا للوطن، مما يدعم التعبئة الوطنية للدفاع عن قضايا ومقدسات البلاد.

ومن جهة أخرى، ولتجاوز حالة الانتظارية والجمود، هناك مسار وطني جهوي داخلي يرتكز على الفعل التنموي لخلق جاذبية ترابية للأقاليم الجنوبية؛ ولعل ثمار النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية — الذي أعطى انطلاقته جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء بتاريخ 6 نونبر 2015 — كبرنامج متكامل، ساهمت في خلق دينامية تنموية لها الأثر الإيجابي على المنطقة ككل، وخاصة على مستوى البنيات التحتية وتنوع المرافق والخدمات في خدمة المواطن والمقاولة والتنمية المستدامة. حيث ما زال هذا المسار مستمراً، لدرجة أصبحت معها أقاليم الصحراء المغربية منصات حقيقية للاستثمار وجلب الرأسمال الوطني والأجنبي في مجالات متعددة كالطاقة المتجددة، الصيد البحري، السياحة، الصناعة التقليدية، والبنيات التحتية والحقل الثقافي، فضلاً عن دعم العمق الأفريقي للمغرب وتقوية دعامات إنجاح المبادرة الملكية الأطلسية الأفريقية.

كابريس: كيف يمكن الحفاظ على استدامة هذه الطفرة الميدانية وتحصين مكتسباتها على المستوى المجالي؟

د. سعيد بوشاكوك: حتى يكتمل صرح هذا المشروع التنموي المتجدد، لابد من العمل على خلق الثروة والتوجه المباشر نحو الاقتصاد المنتج لخلق فرص الشغل، وتحفيز القطاع الخاص بناءً على قواعد التنافس والشفافية لدفعه نحو المزيد من الاستثمار. هذا التوجه سيمكن من توسيع عرض سوق الشغل عبر تأهيل العنصر البشري بتخصصات علمية وتقنية تناسب الحاجيات الحقيقية للاقتصاد؛ التزاماً بالإرادة الملكية الطموحة، وضماناً لكرامة العيش للمواطنات والمواطنين بالأقاليم الجنوبية.

“الدبلوماسية الموازية والثقة في النخب المحلية كركيزة للترافع”

كابريس: بناءً على هذه المخرجات الأممية المتقدمة، ما هي الخطوات القادمة المطلوبة من النخب الفكرية والأكاديمية المغربية لمواكبة هذه الانتصارات الدبلوماسية الرسمية في مجالات الترافع الرقمي والدولي؟

د. سعيد بوشاكوك: إن الدفاع عن عدالة قضيتنا الوطنية هو مسؤولية الجميع بدون استثناء، مما يحتم أن تكون هذه القضية انشغالاً وضرورة تبقى حاضرة في أنشطتنا المتنوعة، وخاصة في الأعمال الأكاديمية عبر الانفتاح على العالم للتعريف بعدالة موقفنا؛ لاسيما في القلاع الجامدة التي كانت تعتمد فقط على البروباغندا العدائية لمصالح المغرب، والتي استطاعت الدبلوماسية المغربية اليوم أن تخترقها وتجني منها مواقف إيجابية نوعية.

وبالتالي، وجب علينا اليوم أن نثق في النخب المحلية لتسويق صورة حقيقية عن الاندماج وقوة الطرح الوحدوي القوي بتعدد وتنوع روافده. وهذه بالأساس هي مسؤولية صناع القرار السياسي، الأحزاب، وباقي القوى الحية بالمغرب؛ وخاصة في شق تعزيز الدبلوماسية الموازية، حتى تكون الصورة والمواقف الميدانية خير شاهد على الإيمان بكفاءة النخب المحلية وقدرتها على المساهمة في تقوية الموقف الوطني الوحدوي.

وهكذا، يجب أن نعمل جميعاً على بناء جسور التواصل بدل بناء الجدران، حتى نفتح قنوات بناء الثقة المتبادلة كحافز متين وصلب للجبهة الداخلية، والتي نعتبرها نواة محورية للتعريف بعدالة الموقف المغربي في إطار ترافع علمي رصين مبني بالأساس على المعرفة والخبرة.

خاتمة وجسر تواصل:
في ختام هذا الحوار المتميز، يتأكد لنا أن تقوية الجبهة الداخلية تشكل النواة المحورية للتعريف بعدالة الموقف المغربي، مما يفرض علينا جميعاً — نُخباً وقوى حيّة — العمل على بناء جسور التواصل بدل بناء الجدران، لفتح قنوات الثقة المتبادلة كحافز متين للترافع العلمي الرصين المبني على المعرفة والخبرة.

وتتقدم الجريدة الإلكترونية “كابريس” بخالص الشكر وجزيل التقدير لضيفها الكريم، الدكتور سعيد بوشاكوك، على قراءته الأكاديمية الرصينة ومقاربته العلمية التي أثرت النقاش، وتفضُّله بتقديم هذه الإضاءات الجيو-سياسية والمجالية العميقة، متمنين له دوام التألق والتميز في مساراته العلمية والمهنية خدمةً للصالح العام وقضايا الوطن.

الدكتور سعيد بوشاكوك
Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News