بفلم : محمد مفتاح
في تسعينيات القرن الماضي، شهدت أولاد تايمة ثورة جمعوية حقيقية وضعت اللبنات الأولى لورش تنموي أخرج عاصمة هوارة من رتابتها. في تلك الحقبة الذهبية، برزت هيئات وازنة كجمعيات أنوال للإشعاع الثقافي، الجسور، الوفاق، سوس العالمة، حركة الطفولة الشعبية، والحوار العلمي. لم تكن هذه الإطارات مجرد ظواهر عابرة، بل أنتجت نُخباً أسست لجمعيات أحياء فاعلة؛ استطاعت عبر ذكائها الترافعي وشراكاتها الدولية والمحلية القضاء على التهميش، وإيصال الماء والكهرباء وتبليط الأزقة. كانت تلك التجارب النموذج الحي لـ “البناء العمودي التراكمي” الذي يقود المدينة نحو الصعود.
واليوم، ومع أعتاب دخول جمعوي جديد وفي ظل رهانات الجهوية المتقدمة، صار مفترضاً بالعمل المدني أن يقود “التسويق الترابي” للمدينة ويجلب الاستثمارات؛ وهي أدوار يعجز مجلس جماعة أولاد تايمة عن تحقيقها منفصلاً دون جناح مدني قوي ومستقل . غير أن الواقع الحالي يصدمنا بانتكاسة بنيوية حادة، بعدما سقط العمل الجمعوي في فخ “البناء الأفقي المشتت”. فلم نعد نرى صروحاً تعلو، بل مجرد “أرصفة متفرقة” وجمعيات تُفرَّخ على مقاس الأجندات الحزبية مع كل استحقاق جماعي، لتبدأ كل تجربة من الصفر ثم تُقبر بمجرد انتهاء صلاحيتها الانتخابية.
فأين تبخرت إذاً تلك الذاكرة التراكمية لشراكات تسعينيات القرن الماضي؟ وكيف تحول الفاعل المدني بهوارة من مهندس للتنمية والجاذبية الترابية إلى مجرد رهينة تحت رحمة التمويل الحزبي المشروط؟ ما هي الآليات الخفية لهذا “الريع الجمعوي” الذي يجتاح أحياء المدينة عقب كل محطة انتخابية؟ والأهم من ذلك كله: كيف يمكن للكفاءات الشابة والمستقلة بأولاد تايمة كسر هذا الطوق وإعادة بناء صرح جمعوي عمودي يتحرر من قبضة دكاكين السياسة؟
من صرح التنمية إلى دكاكين الريع: تشريح السقوط في “البناء الأفقي”
يرتطم طموح “التسويق الترابي” وجلب الاستثمارات بأولاد تايمة بصخرة واقع مرير، عنوانه العريض غياب الذاكرة المؤسساتية واستيراد ثقافة التفتيت. فالعمل الجمعوي بالمدينة يواجه معضلة بنيوية خطيرة تتمثل في التخلي القسري عن نموذج “البناء العمودي” الذي يراكم على المكتسبات، والاندحار نحو نموذج “البناء الأفقي المشتت” الذي يكتفي بوضع أرصفة متفرقة هنا وهناك. ويتجلى هذا العطب في متلازمة “اللبنة الأولى”؛ حيث تولد الجمعيات لتبدأ من نقطة الصفر وتدعي لنفسها تاريخاً معزولاً عن سياقه، دون أي رغبة في استثمار واستكمال تجارب جيل التسعينيات الذهبي، ليتم إقبار هذه المبادرات سريعاً بمجرد انتفاء دواعي وجودها الظرفية.
هذا التشتيت البنيوي ليس عفوياً، بل هو نتاج مباشر لسيادة “المنطلق الحزبي التمويلي” الذي بات يتحكم في بوصلة الشباب الهواري الراغب في ولوج فضاء التطوع. فقد تحولت الجمعيات محلياً إلى ما يشبه “المكافآت الانتخابية” والغوائص الحزبية التي تُفرَّخ وتُهندَس عقب كل استحقاق جماعي لضمان الولاءات وتأمين حسابات الصناديق. إن تكريس هذا “الريع الجمعوي” المشروط بالولاء السياسي والمقيد بآلية الدعم المالي للمجالس المنتخبة، لم يجهز فقط على استقلالية المجتمع المدني وعقيدته التنموية، بل قتل روح التنافسية الشريفة والابتكار، وحوّل الفواعل المدنية من قاطرة لصناعة الجاذبية الترابية للمدينة إلى دكاكين موسمية مستهلكة للوعي ومكرسة للتهميش.
كلفة التبعية الحزبية: تعطل الجاذبية الاستثمارية وأزمات المجال الترابي
إن ارتهان العمل المدني بأولاد تايمة للأجندات الحزبية الضيقة لم يقف عند حدود إضعاف الجمعيات، بل امتد ليدفع بالمدينة نحو عزلة تنموية خانقة تؤدي الساكنة ضريبتها يومياً. ففي سياق التدبير الحديث، يظل مجلس جماعة أولاد تايمة عاجزاً بنيوياً بمفرده – وبأدواته البيروقراطية الكلاسيكية – عن صياغة هوية ترابية جذابة ما لم يتكئ على جناح مدني مستقل وقوي. ويتجلى هذا العجز بوضوح في الركود المخيم على الحي الصناعي للمدينة؛ فبدل أن تضطلع الجمعيات المهنية والاقتصادية بأدوار الترافع والابتكار لتسويق هذا القطب وجلب الرساميل وتحفيز التشغيل، تسببت الحسابات السياسوية في تغييب “الذكاء الترابي” اللازم لتحويل أولاد تايمة إلى علامة استثمارية تنافسية داخل جهة سوس ماسة.
هذا الشلل التدبيري امتدت شظاياه لتضرب العصب الثقافي والرياضي للمدينة; حيث يعيش المشهد الثقافي الهواري ركوداً قاتماً بعدما غابت التظاهرات الوازنة وتراجعت الهيئات الثقافية عن تقديم الأدوار الإشعاعية المطلوبة منها على المستويين الوطني والدولي، لتتحول اللقاءات الثقافية إلى أنشطة باهتة وموسمية تعجز عن تسويق الهوية المحلية للمدينة. وبالمثل، تعيش الرياضة المحلية أزمة خانقة وتراجعاً غير مسبوق، بعدما تحولت بعض الأندية والجمعيات الرياضية إلى ساحات للصراع الحزبي وتصفية الحسابات الضيقة بدل التركيز على التكوين والتنقيب عن المواهب.
وبالموازاة مع ذلك، ترزح أولاد تايمة تحت وطأة إشكالات اجتماعية وتحولات ديمغرافية متسارعة؛ فالمدينة لم تعد مجرد مستقطب للهجرة القروية من الجماعات المحيطة بإقليم تارودانت، بل تحولت بفعل جاذبيتها الفلاحية إلى قطب جاذب لـ مئات العمال الموسميين الوافدين من مختلف المدن المغربية، فضلاً عن كونها أصبحت محطة استقرار لـ أعداد متزايدة من المهاجرين المنحدرين من دول جنوب الصحراء ومنطقة الساحل. هذا التنوع البشري المعقد يفرض تحديات جمة ترتبط بالإدماج، وتوفير الخدمات الأساسية، ومحاربة الهدر المدرسي والبطالة، وهي ملفات تتطلب جمعيات مؤهلة ومستقلة قادرة على صياغة مشاريع وساطة اجتماعية حقيقية وعقد شراكات دولية كما كان يحدث في السابق. إن تسييس الفاعل المدني وتحويل ميزانيات الدعم إلى ريع انتخابي لم يقتل المبادرات الجادة فحسب، بل ترك المدينة مكشوفة وبدون حصانة سوسيو-ثقافية أمام هذه الضغوط الاجتماعية المتزايدة، مكرساً بذلك “بلوكاج تنموي” شامل يدفع بهوارة نحو الخلف.
خارطة الطريق: نحو هندسة عمودية وتحرير الفاعل المدني بهوارة
إن الخروج من شرنقة “البناء الأفقي المشتت” بأولاد تايمة والقطع مع ريع التبعية الحزبية، لا يمكن أن يتأتى بالتباكي على أطلال الماضي، بل يفرض صياغة هندسة جمعوية جديدة تتجاوز عقلية الاسترزاق والولاء، وترتكز على أربعة مرتكزات استراتيجية:
• التشبيك والاندماج القسري من أجل البقاء: حان الوقت لتذويب الدكاكين الجمعوية الميكروسكوبية ذات التخصصات المتشابهة في إطار اتحادات وفيدراليات قوية وموضوعاتية. هذا التكتل سيمنح المجتمع المدني الهواري الوزن القانوني والامتداد الشعبي لفرض شروطه والتعامل بندية وشراكة حقيقية مع السلطات الإقليمية والمجالس المنتخبة.
• ميثاق شرف واستقلالية الفاعل المدني: يجب إرساء جدار فصل أخلاقي صارم بين الممارسة الحزبية الانتخابية والقيادة الجمعوية بالمدينة؛ تحرير الجمعيات من التبعية يبدأ من تجديد النخب الحقيقية وعقد جموع عامة ديمقراطية تقطع مع ظاهرة “الرئيس الخالد”.
• تنويع مصادر التمويل وجلب الاستثمار الدولي: يتعين على جمعيات أولاد تايمة التخلص من التبعية الكلية لمنح المجلس الجماعي لأولاد تايمة، والتوجه نحو صياغة مشاريع تنافسية رصينة قادرة على جلب التمويل من صناديق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومؤسسات التعاون الدولي، والمسؤولية الاجتماعية للشركات الفلاحية والصناعية الكبرى بالمنطقة.
• الوساطة الذكية والتسويق الترابي التشاركي: يجب على الجمعيات المهنية والثقافية استعادة أدوارها الاستشرافية؛ من خلال المبادرة إلى الترافع لتنشيط الحي الصناعي، وإعادة إحياء التظاهرات الفنية والرياضية الوازنة التي تمنح أولاد تايمة جاذبيتها وإشعاعها، وابتكار برامج إدماج واقعية تواكب الطفرة الديمغرافية المعقدة.
نداء إلى الهوام القادمة: عن ضرورة الانتفاضة المدنية المستقلة
في نهاية المطاف، إن معركة تحرير العمل الجمعوي بأولاد تايمة والعبور به نحو “البناء العمودي” ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة وجودية لإنقاذ المدينة من الركود؛ والرهان اليوم لم يعد على مجالس منتخبة تكبلها الحسابات، ولا على “جمعيات مظلية” تقتات على الريع الانتخابي، بل على الكتلة الصامتة من الكفاءات الشابة والمستقلة بالمدينة.
يا شباب هوارة، ويا كفاءاتها الغيورة في الجامعات، والمعاهد، والمقاولات، والأحياء: إن عزوفكم عن الساحة وتركها فارغة هو ما يسمح لـ “الآلة الانتخابية” بمواصلة تفريخ العبث وإقبار التاريخ المشرف لتسعينيات القرن الماضي. إن أولاد تايمة لا تنقصها الرساميل ولا الطاقات البشرية، بل ينقصها “الجرأة المدنية” لتأسيس بدائل مستقلة، حديثة، وعابرة للأحزاب.
لقد حان الوقت لتنتفض الكفاءات ضد هذا الطوق، وتضع يداً في يد لتأسيس جبهة مدنية وازنة تقطع مع “استجداء” المنح، وتفرض نفسها كشريك ندي يصنع الجاذبية الترابية ويدافع عن كرامة الحي وفضاءات الثقافة والرياضة بالمدينة. إن بناء صرح عمودي شامخ لأولاد تايمة يبدأ بقرار شجاع منكم؛ قرار يعيد للعمل التطوعي هيبته ونبله، ويؤكد للجميع أن عاصمة هوارة ليست خادماً في أجندة حزبية، بل حواضن لكفاءات قادرة على قيادة المستقبل. فالمدينة تستحق صروحاً تعانق السماء، لا أرصفة تدوسها دكاكين السياسة.























