مقال رأي : محمد مفتاح
في الواقع، أعداؤنا ليسوا أولئك الذين يقفون عند أعتاب انتصاراتنا وهزائمنا لكي يحولوها على مقاساتهم وبواسطة ذبابهم الإلكتروني إلى إهانات ومتاهات. ففي زمن التحولات الكبرى المتسارعة، غالبًا ما تقع المجتمعات في فخ التشخيص الخاطئ لأزماتها، ونوجه أصابع الاتهام غريزيًا نحو “الآخر” القادم من خلف الحدود. غير أن التدقيق العميق في واقعنا الرقمي والسياسي اليوم يكشف أن العدو الأشد خطرًا يخرج من عباءتنا؛ هم أولئك المحسوبون زيفًا على “حب الوطن”، والذين يتحولون باندفاعهم الأعمى وسلوكهم الهجومي إلى أكبر مشوه لسمعة المغرب وصورته الإقليمية والدولية.
الجهل المركب: التربة الخصبة للشائعات والتضليل
إن العدو الأول الذي يهدد تماسكنا هو الجهل المركب؛ ولا نقصد هنا الأمية الأبجدية التي تقاس بفك الخط، بل أمية الوعي والقدرة على النقد والتحليل. هذا الجهل هو التربة الخصبة التي تنمو فيها الشائعات، وتزدهر عبرها خطابات الكراهية، وتتحول فيه منصات التواصل الاجتماعي من فضاءات للمعرفة إلى ساحات للمعارك الوهمية وتسطيح العقول. عندما يفقد المجتمع بوصلة التمييز بين الحقيقة والتضليل، يصبح لقمة سائغة للتبعية والركود.
من الانبطاح للسلبية إلى ثقافة “اللوم الوطني”
وينضاف إلى ذلك عدو آخر يهدد تماسكنا، متمثلاً في تلك الأصوات التي تعلمت نقنقة الغربان فأصبحت تخرم آذاننا بضجيجها المنبطح لثقافة السلبية والاتكالية؛ حيث تحول اللوم إلى رياضة وطنية يمارسها الكثيرون؛ نلوم الظروف، والحكومات، والنظام العالمي، ونتنصل من المسؤولية الفردية والجماعية. هذا الموقف السلبي يقتل روح المبادرة والابتكار، ويجعل القبول بالأمر الواقع خيارًا مريحًا، في حين أن الأمم لا تبنى بانتظار الحلول الجاهزة، بل بسواعد أفرادها الذين يملكون جرأة التغيير والعمل المستمر.
ملف “أسود الأطلس”: من التمجيد الواهم إلى الهستيريا الرقمية
وتتجلى هذه السلوكيات الهدامة بوضوح في الهجوم الشرس وغير المبرر الذي يتعرض له “أسود الأطلس” عقب خروجهم من منافسات المونديال. والمفارقة الصادمة هنا هي أن هذه الأصوات النباحة والجهات التي تقود حملات التخوين والجلد اليوم، هي نفسها التي كانت بالأمس القريب تحاول بكل الطرق والوسائل تصوير المغرب كمرشح فوق العادة لنيل اللقب العالمي، وصنعت من ذلك وهمًا وحلمًا حتميًا يجب تحقيقه وضغطت به على اللاعبين والطاقم التقني. هذا التحول الجذري من التمجيد المبالغ فيه إلى الهجوم الهستيري يثبت أن محرك هؤلاء ليس الغيرة على القميص الوطني، بل الجري وراء “البوز” والرغبة في التكسب الرقمي على حساب استقرار النخبة الوطنية وهدم المكتسبات الكروية التي استغرقت سنوات من البناء.
مزايدات تخدم الخصوم.. والترافع الرزين هو الحل
إن هذا الأسلوب الفج لا يقتصر ضرره على الرياضة، بل يمتد ليلوث كل القضايا والملفات الوطنية الكبرى. فهؤلاء المزايدون يحولون الدفاع عن الثوابت السياسية والدبلوماسية والثقافية للمملكة إلى معارك سب وقذف وتخوين لكل من يختلف معهم، مما يمنح الخصوم الحقيقيين هدايا مجانية ومادة دسمة لتصوير المغرب كبيئة متشنجة وعدائية. الحب الحقيقي للوطن في شتى المجالات يتجلى في الترافع الرزين، والدبلوماسية الرقمية الراقية، وتقديم الحجج العقلانية، بعيدًا عن لغة الشتم والتحريض التي تنفر الأصدقاء وتؤلب الرأي العام الدولي وتسيء لصورة المملكة التي عُرفت عبر التاريخ بحكمتها، واعتدالها، ورقي رجالاتها.
لذلك، وجب الانتباه إلى أن هؤلاء المندفعين ينهشون مستقبل صورتنا المعاصرة بجهلهم المركّب. إن حماية المكتسبات الوطنية وصون سمعة المغرب تتطلب اليوم وعيًا جماعيًا يحارب هذا الارتزاق باسم الوطنية، ويدرك أن الدفاع عن قضايا الوطن وفريقه الوطني هو مسؤولية أخلاقية تتطلب الحكمة والرزانة والالتفاف حول المجموعات الوطنية في لحظات الانكسار قبل الانتصار، لا التجييش الأعمى الذي يهدم أكثر مما يبني.
المواجهة المطلوبة: ثورة ثقافية وإصلاح تعليمي
إن مواجهة هؤلاء الأعداء لا تتطلب ترسانة عسكرية، بل تتطلب وعيًا جماعيًا وثورة ثقافية حقيقية. تبدأ المعركة من إصلاح منظومتنا التعليمية لترسيخ الفكر النّقدي، وتمر عبر إحياء قيم العمل والمبادرة، ولا تنتهي إلا بتبني ثقافة التكافل ومحاربة الأنانية. إذا لم نتعرف على أعدائنا الحقيقيين ونواجههم بشجاعة، سنظل نحارب طواحين الهواء بينما يستنزف التخلف مقدراتنا من الداخل.
























