المواطن المغربي وصناديق شتنبر: نهاية ولاية أخنوش وفرصة العقد السياسي الجديد

kapress15 يوليو 2026Last Update :
المواطن المغربي وصناديق شتنبر: نهاية ولاية أخنوش وفرصة العقد السياسي الجديد

محمد مفتاح
مع إسدال الستار على الولاية التشريعية الحادية عشرة، يجد المواطن المغربي نفسه في وقفة تأمل عميقة أمام حصيلة السنوات الخمس الماضية. تلك السنوات التي انطلقت بوعود انتخابية كبرى ترفع شعار “تستاهل أحسن”، وحملت معها طموحات الشارع في تغيير ملموس ينعكس على معيشته اليومية، ويؤسس لربيع من التنمية والازدهار الاجتماعي والاقتصادي.
مفارقة الشعارات والواقع المعيشي
لقد شكّلت الخمس سنوات الماضية اختباراً بنيوياً لمدى قدرة التدبير الحكومي على مواءمة شعارات التغيير السخية مع إكراهات واقع مركب؛ فبينما تطلّع فصيل واسع من المغاربة إلى ‘ربيع تنموي’ يقطع مع أزمات الماضي، وجد المواطن نفسه يعيش مفارقة حادة بين مستويين؛ تفاؤل يغذيه التقدم المحرز في الأوراش الاستراتيجية الكبرى—مثل تعميم الحماية الاجتماعية وإصلاح قطاعي الصحة والتعليم—وصدمة معيشية قاسية فرضتها موجات تضخم غير مسبوقة وتوالي سنوات الجفاف، فضلاً عن كلفة تدبير الأزمات الناجمة عن الكوارث الطبيعية الاستثنائية التي طبعت هذه الحقبة، وفي مقدمتها فاجعة زلزال الحوز والفيضانات. هذا التداخل المعقد بين الضغوط الاقتصادية والاضطرابات المناخية والطبيعية، أفرز تباعداً عميقاً بين الطموحات النظرية والقدرة الشرائية اليومية، مخلفاً نوعاً من الخيبة لدى الشارع المعني بالتغيير، ومؤكداً في هذا السياق التحليلي أن نجاعة السياسات العمومية لا تُقاس بالنوايا، بل بمدى مرونتها في مواجهة الأزمات، وأثرها المباشر والمستدام في حماية الفئات الأكثر هشاشة.
سلطة الصندوق: مسؤولية الناخب في هندسة التغيير
مع ذلك، فإن القراءة التحليلية الرصينة لهذه الحصيلة المتقلبة لا يمكن أن تكتمل بعزلها عن فلسفة العقد السياسي ومفهوم ربط المسؤولية بالمحاسبة؛ فالحكومات والسياسات الاقتصاديّة والاجتماعية لا تولد من فراغ، بل هي نتاج مباشر للخيارات التي أفرزتها صناديق الاقتراع. إن الشكوى من تراجع القدرة الشرائية أو غياب ‘الربيع التنموي’ المأمول، تضع المواطن المغربي اليوم أمام مرآة مسؤوليته الأولى كـ’ناخب’ يمتلك السلطة التقريرية الأسمى. ففي المشهد الديمقراطي، يظل صندوق الاقتراع هو الأداة الحضارية الوحيدة والقانونية التي يمنح من خلالها المواطن ‘العصا السحرية’ للتدبير الحكومي، وهو نفسه الآلية التي تتيح له إما تجديد الثقة واستمرار السياسات الحالية، أو معاقبتها سياسياً وفرض التغيير. بناءً على ذلك، يصبح النضج السياسي كفيلاً بنقل الشارع من مرحلة الانتظارية أو التذمر السلبي، إلى مرحلة المشاركة الواعية والفعالة في استحقاقات شتنبر المقبلة، للتأكيد على أن صوت المواطن هو الفاعل الحقيقي والوحيد في صياغة مستقبله ورسم ملامح التغيير المنشود.
من شخصنة الأصوات إلى نقد البرامج
في المقابل، يظل العبور نحو مغرب المؤسسات رهيناً بمدى قدرة الوعي الجماعي على تجاوز عقبة بنيوية طالما كبّلت المسار الديمقراطي بالبلاد، والمتمثلة في تغليب ‘الولاء للأشخاص والروابط الفردية’ على حساب ‘نقد البرامج والمشاريع السياسية’. فالإمعان في منح الأصوات بناءً على شبكات العلاقات الشخصية أو النفوذ العابر للأعيان، هو في عمقه هدر للزمن التنموي؛ إذ يغيب عن بال الكثيرين أن الأشخاص والوجوه عابرون وتتغير مواقعهم، بينما تبقى البرامج والالتزامات الحزبية المكتوبة هي وثيقة التعاقد الحقيقي والوحيد التي يملك المواطن حق مقاضاتها سياسياً ومحاسبتها عند نهاية كل ولاية. إن الانتقال نحو غد أفضل يبدأ حتماً بحدث ثوري في سلوك الناخب المغربي؛ تحولٌ يقطع تماماً مع ‘شخصنة المقاعد’ ويؤسس لثقافة الاختيار العقلاني القائم على تمحيص الأرقام، والخطط الاقتصادية، والحلول المقترحة لمواجهة الأزمات، حتى لا يسقط الشارع مجدداً في فخ اختيارات عاطفية يدفع ثمنها من قوته اليومي لسنوات مقبلة.
صناديق سبتمبر: من الحلم بالربيع إلى نضج المحاسبة
إن انتهاء هذه الحقبة التشريعية ليس مجرد إجراء دستوري عابر، بل هو محطة للمحاسبة السياسية الواعية تضع المواطن المغربي أمام مرآة الحقيقة ومسؤوليته كشريك أساسي في بناء الدولة. فالأحلام بـ’ربيع تنموي’ يحقق العدالة الاجتماعية لم تنطفئ، بل تحولت اليوم إلى نضج جماعي يدرك أن التغيير الحقيقي لا يأتيه بالوعود البراقة، بل بتمحيص الأثر المباشر للسياسات العمومية على جيبه، وفرص شغل الشباب، وجودة الخدمات الأساسية. من هنا، تصبح الشكوى من الأوضاع قاصرة عن تغيير الواقع ما لم تقترن بمشاركة سياسية عقلانية في استحقاقات شتنبر المقبلة؛ فالصندوق هو الآلية الوحيدة والشرعية لإنهاء التفويض أو تجديده، وهو الأداة السيادية التي يثبت من خلالها المواطن أنه الفاعل الحقيقي والوحيد في صياغة عقده الاجتماعي، بعيداً عن الانتظارية السلبية أو الرهان على حلول سحرية خارج الإرادة الشعبية الصريحة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News