الأمازيغية بالمغرب: مليار “أخنوش” يصطدم بجدار المقاومة الإدارية

kapress4 دقائق agoLast Update :
الأمازيغية بالمغرب: مليار “أخنوش” يصطدم بجدار المقاومة الإدارية

محمد مفتاح
خمسة عشر عاماً مرت على الهِزّة الدستورية لعام 2011، تلك التي نقلت الأمازيغية من الهامش الجمعوي إلى صدارة ‘الفصل الخامس’ كشريك رسمي للهوية المغربية. ورغم أن حكومة عزيز أخنوش —المنحدرة من عمق الأطلس وسوس— ضخّت دماءً مالية وإجرائية غير مسبوقة لتجاوز سنوات الجمود، إلا أن هذا الورش الوطني ما زال يتأرجح بين رمزية المليار درهم وعقبات الواقع الإداري والتعليمي. إن قراءة المسار التنموي للأمازيغية اليوم تؤكد حقيقة بنيوية واحدة: التنزيل الفعلي لم يعد مجرد قرار سياسي مركزي، بل هو رهين بمدى تحرر مشروع ‘الجهوية المتقدمة’ من القيود البيروقراطية، لتمكين الجهات من تدبير خصوصياتها اللغوية والثقافية.
فإلى أي حد استطاعت الترسانة القانونية والميزانيات المرصودة مؤخراً تفكيك البنية البيروقراطية المقاوِمة لإدماج الأمازيغية في الإدارة والتعليم؟
وهل يكمن مأزق التنزيل الحالي في غياب الإرادة السياسية المركزية، أم في قصور الصيغة الدستورية للفصل الخامس التي رهنت رسمية اللغة بـ ‘وظيفة مستقبلية’ مؤجلة؟
بل كيف يمكن لورش ‘الجهوية المتقدمة’ أن يتحول من مجرد تقطيع ترابي إداري إلى رافعة حقيقية تضمن التعددية اللغوية بناءً على الخصوصيات المجالية للمغرب؟.
الفصل الخامس: اعتراف بالهوية أم هندسة للتأجيل؟
حين صيغ الفصل الخامس من دستور 2011، بدا وكأنه ينهي حقبة الأحادية اللغوية، لكن التدقيق في بنيته التركيبية يكشف عن “هندسة لغوية حذرة” سعت لامتصاص الحراك الاجتماعي أكثر من سعيها للقطع مع الماضي. يتجلى هذا بوضوح في التمايز اللفظي بين عبارتي “تظل العربية اللغة الرسمية” و”تعد الأمازيغية أيضاً لغة رسمية”؛ فبينما تفيد الأولى الاستمرارية والسيادة، تأتي الثانية بصيغة الإلحاق، مما خلق تراتبية رمزية جعلت الأمازيغية في مرتبة تالية من حيث الأولوية السياسية والمؤسساتية. الإشكال الأكبر في هذا النص لم يكن في الاعتراف، بل في آليات التنفيذ. فمن خلال رهن تفعيل الطابع الرسمي بإصدار “قانون تنظيمي”، نقل المشرّع الدستوري المعركة من رحاب التوافق الوطني إلى دهاليز الحسابات السياسية والبرلمانية، وهو ما أفرز جموداً تشريعياً دام لقرابة عقد من الزمن. علاوة على ذلك، فإن نص الدستور على أن الترسيم يأتي لتمكين الأمازيغية من القيام بوظيفتها “مستقبلاً”، حمل في طياته اعترافاً بضعف جاهزيتها المؤسساتية، وتحول في الوقت نفسه إلى ذريعة سياسية وإدارية لتبرير التماطل وشرعنة التدرج البطيء، مما أفرغ صفة “الرسمية” من قوتها الإلزامية الفورية وحولها إلى وعد معلق المعالم. ومع ذلك، يحسب لهذا الفصل هندسته لـ “المواطنة الهوياتية” حين أخرج الأمازيغية من النزعة الإثنية أو القبلية الضيقة، معلناً إياها “رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة بدون استثناء”. هذا المخرج القانوني نزع فتيل الاستقطاب العرقي، وحوّل الأمازيغية من قضية تهم فئة بعينها إلى واجب وطني يقع على عاتق الدولة والمجتمع، وهو الواجب الذي تسعى المقاربات الحالية لاختبار مدى جديته على أرض الواقع.
فك الارتباط بالمركز: لماذا تحتاج الأمازيغية إلى “الجهوية المتقدمة”؟
لا يمكن قراءة مستقبل الأمازيغية كلغة رسمية بمعزل عن ورش “الجهوية المتقدمة”، باعتباره البيئة الحاضنة والامتداد الطبيعي لروح الفصل الخامس من الدستور. فإذا كان النص الدستوري قد نزع عن الأمازيغية الطابع الإثني وجعلها “رصيداً مشتركاً”، فإن الواقع الجغرافي يفرض اعترافاً بالتنوع اللساني والمجالي للمملكة؛ فالتعبيرات الأمازيغية الثلاثة (التشلحيت، التمازيغت، والتريفيت) تتوزع على مجالات ترابية وثقافية متباينة، مما يجعل من المقاربة المركزية الموحدة أداة قاصرة عن استيعاب هذا الغنى اللغوي وتدبيره بكفاءة.
إن القوانين التنظيمية المتعلقة بالجهات تمنح المجالس المنتخبة اختصاصات ذاتية ومشتركة واسعة في مجالات التنمية الثقافية، وحماية التراث اللامادي، والنهوض بالخصوصيات المحلية. من هنا، يتحول ورش الجهوية المتقدمة من مجرد تدبير إداري للامركزية إلى “مختبر حقيقي” لتنزيل الترسيم؛ فالجهات هي الأقدر على ملاءمة السياسات اللغوية مع واقعها الديمغرافي، سواء عبر رصد الميزانيات المحلية لدعم الإنتاج الثقافي والإعلامي الجهوي، أو من خلال إدماج الأمازيغية في خطط التنمية الاقتصادية والسياحية المرتبطة بخصوصية كل منطقة.
ومع ذلك، يظل هذا الامتداد رهيناً بفك الارتباط مع عقلية “المركزية البيروقراطية” التي لا تزال تهيمن على صناعة القرار اللغوي والتعليمي. إن نقل صلاحيات تدبير هذا الورش إلى النخب المحلية والجهوية ليس مجرد ترف سياسي، بل هو شرط بنيوي للانتقال بالأمازيغية من “رسمية الواجهة” وشعارات الإدارة المركزية، إلى لغة حياة وعمل ومواطنة يومية تتنفس في الفضاءات العامة والمؤسسات الترابية القريبة من المواطن.
مأزق الواجهة: حين تتحول الميزانيات الضخمة إلى أخطاء إملائية!
مع تولي حكومة عزيز أخنوش المسؤولية، شهد ورش الأمازيغية تحولاً ملموساً في المقاربة؛ إذ انتقل الملف من دائرة “الجمود التشريعي” و”النقاش الهوياتي” إلى مربع “الأجرأة التنفيذية والميزانياتية”. ولعل الضخ المالي غير المسبوق، الذي تُوج برصد صندوق خاص يهدف لبلوغ مليار درهم، يمثل إرادة سياسية واضحة لكسر عقود من التماطل. هذا الالتزام المالي والرمزي، المدعوم بالانحدار السوسيولوجي لرئيس الحكومة من قلب الحاضنة الأمازيغية، ترجمته خطوات ميدانية فعلية؛ كإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية مؤدى عنها، وتوظيف مئات المساعدين الناطقين بالأمازيغية في قطاعي العدل والصحة، والرفع التدريجي من مناصب توظيف الأساتذة المتخصصين لتسريع وتيرة التعميم الدراسي.
بيد أن هذه الدينامية المالية والتدابير العمودية تصطدم بجدار سميك من “المقاومة الإدارية الصامتة” والقصور البنيوي داخل المرافق العمومية. فرغم توقيع عشرات الاتفاقيات الإدارية، لا يزال المرفق العام يشتغل بعقلية أحادية أو ثنائية (عربية-فرنسية) تُقصي الأمازيغية عملياً من الحياة اليومية للمواطن. ويتجلى هذا التناقض الصارخ في انتشار أخطاء لغوية وإملائية فادحة في لوحات التشوير وواجهات المؤسسات الرسمية المكتوبة بحرف “تيفيناغ”، مما يكشف عن غياب التكوين الحقيقي للموظفين، والتعامل مع الترسيم كـ “إجراء بصري سطحي” لتأثيث الواجهة دون استيعاب حقيقي لعمقه اللغوي.
إن هذه المفارقة تؤكد أن لغة القوانين والميزانيات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتغيير العقليات الإدارية؛ فصرف الاعتمادات المالية لم ينجح بعد في تفكيك البنية البيروقراطية المركزية التي ترى في إدماج الأمازيغية عبئاً تقنياً إضافياً وليس واجباً دستورياً ومواطناتياً. هذا الوضع يضع الحصيلة الحكومية الحالية أمام محك حقيقي: فإما الانتقال بالملف إلى تدابير إلزامية واستراتيجيات تقييم ومحاسبة صارمة، أو البقاء في حلقة مفرغة تُهدر فيها الميزانيات دون أثر ملموس على المعيش اللغوي للمغاربة.
نحو تعاقد لغوي متكامل: من “تأثيث” الفضاء العام إلى إلزامية المحاسبة.
في المحصلة، يظهر مسار ترسيم اللغة الأمازيغية بالمغرب أن العائق لم يعد نصاً دستورياً يفتقر إلى الشرعية، ولا غلافاً مالياً ينتظر الاعتماد، بل هو أزمة حكامة بنيوية وتغيير في العقليات الإدارية والترابية. إن الخطوات التي قطعتها حكومة أخنوش، رغم جرأتها الميزانياتية، ستظل مجرد تدابير فوقية ما لم تلتقِ في منتصف الطريق مع تنزيل حقيقي لورش الجهوية المتقدمة، القادر وحده على تحويل الأمازيغية من “لغة واجهات” إلى رافعة للتنمية المحلية ولغة حياة يومية للمواطن. إن كسب رهان العدالة اللغوية بالمغرب يتطلب اليوم الانتقال من منطق “تأثيث الفضاء العام” إلى منطق “الإلزامية والمحاسبة”، لجعل الفصل الخامس تعاقداً وطنياً حياً يضمن للمغاربة تصالحاً حقيقياً ودائماً مع هويتهم المتعددة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

Breaking News