بقلم : محمد مفتاح
في المشهد السياسي المغربي المعاصر، نادراً ما تنجح تجربة انتخابية في كسر القواعد الكلاسيكية للعبة كما فعل الشاب أسامة باريك. صعوده إلى قبة البرلمان ممثلاً لإقليم ميدلت لم يكن مجرد فوز بمقعد نيابي، بل كان زلزالاً رمزياً تعالت ارتداداته لتصل إلى عمق البنية السياسية التقليدية. غير أن هذا الصعود الاستثنائي، الذي تم بـ “صفر درهم” وبارتباط وثيق مع الهوامش والمغرب العميق، سرعان ما واجه استراتيجيات مضادة وضعت التجربة برمتها أمام اختبار الصمود.
إن المتأمل في محاولات إجهاض هذه التجربة الشبابية يدرك أنها لم تعد تقتصر على النقد السياسي المألوف، بل انتقلت إلى مربع “التفجير من الداخل” عبر آليتين متوازيتين: آلية “التشويه وتحوير الحقائق”، وآلية “الحرق بالمدح المفرط والتبضيع الإعلامي”.
تتجلى الآلية الأولى في سيل الشائعات الممنهجة التي تستهدف ضرب النواة الصلبة لرأس مال باريك السياسي، ونعني بها “المصداقية ونقاء اليد”. وتبرز خطورة هذا التشويش في التوظيف الإعلامي المغلوط لخطواته التضامنية؛ فحين أعلن النائب الشاب عن تخصيص شقة في العاصمة الرباط من ماله الخاص وتعويضاته، لتكون ملاذاً ومأوى مجانياً لأبناء إقليم ميدلت المعوزين والوافدين لقضاء مآربهم الإدارية والصحية، سارعت بعض المنصات المغرضة إلى تحوير الخطوة وتسميتها بـ “السكن الوظيفي الفاخر”. كان الهدف من هذه التسمية المغلوطة قانونياً ومؤسساتياً (إذ لا يمنح البرلمان سكناً وظيفياً لنوابه) هو الإيحاء بأن الشاب قد استسلم سريعاً لـ “امتيازات الريع”. غير أن الحقيقة قلبت الطاولة على خصومه، وأثبتت أن المبادرة هي نموذج مبتكر للتضامن وتقريب المسافات بين المركز والهامش، مما شكل إحراجاً صريحاً للمنطق التقليدي في التدبير.
أما الآلية الثانية، والأشد خطورة، فهي محاولة “شيطنة التجربة عبر تسطيحها وتحويلها إلى (بوز)”. لقد تحول النائب الشاب في نظر بعض منصات التواصل وصنّاع المحتوى إلى “تريند” يومي مدر للمشاهدات. يتم التركيز المفرط على تفاصيل لباسه، ولهجته، وعفويته، مع تعمد تغييب جوهر ترافعه البرلماني وأسئلته الرقابية حول البنية التحتية والملفات التنموية لميدلت. هذا “الاحتضان المصطنع والإشهار المبالغ فيه” يهدف في عمقه إلى تسريع وتيرة الحرق السياسي عبر صناعة سقف توقعات خيالي وغير واقعي لدى المواطن البسيط، تمهيداً لإعلان “فشل التجربة الفايسبوكية” عند أول اصطدام بالتعقيدات البيروقراطية للعمل التشريعي.
إن تجربة أسامة باريك اليوم تقف في مفترق طرق حاسم. المعركة الحقيقية التي يخوضها هذا النائب الشاب ليست داخل ردهات البرلمان فقط، بل هي معركة وعي وصمود ضد آلات التنميط والشائعات. ويبقى الرهان الأكبر لإنقاذ هذه التجربة هو الانتقال بها من حالة “العاطفة الرقمية العابرة” إلى مؤسسة الترافع الحقيقي والملموس، لأن تحصين البدائل الشبابية في المغرب يمر حتماً عبر تجفيف منابع التشويش وإعلاء صوت الفعالية على حساب ضجيج المنصات.























